عربي
تشهد الساحة الفنية في باريس نشاطاً ملحوظاً، من أعمال ترميم في متحف اللوفر إلى تركيبات فنية تتوزع في الفضاء العام، من بينها تجهيز ضخم بعنوان "الكهف" من المقرر افتتاحه في يونيو/ حزيران المقبل على جسر نوتردام. وضمن هذا الإطار، أعلنت مؤسسة ألبرتو وأنّيت جياكوميتي، مؤخراً، عن مشروع إنشاء أول متحف ومدرسة تحمل اسم الفنان السويسري (1901 - 1966)، ليصبح مركزاً دائماً لأعماله وإرثه بدءاً من منتصف عام 2028، بعد أن كانت المؤسسة قائمة سابقاً في معهد جياكوميتي بمساحة 350 متراً مربعاً في الدائرة الرابعة عشرة، حيث كانت تقدم برامج تعليمية وعروضاً مؤقتة، لكنها لم تكن تضم كلّ إرث الفنان في مكان واحد.
سيُقام المتحف الجديد في محطة الأنفاليد القديمة بالدائرة السابعة، على ضفاف نهر السين وبالقرب من جسر ألكسندر الثالث، ضمن مشروع "إعادة ابتكار باريس" الذي يهدف إلى تحويل مواقع تراثية مهملة إلى فضاءات ثقافية وحضارية. وسيمتد المتحف على مساحة ستة آلاف متر مربّع، نصفها مخصص للمعارض الدائمة والمؤقتة، وإعادة إنشاء مرسم الفنان، بينما يخصص النصف الآخر لمقهى ومطعم ومكتبة ومساحة تعليمية تستقبل جمهوراً واسعاً من الباحثين والهواة.
يمتد على مساحة 6 آلاف متر مربع ويتضمن صالات عرض وأخرى للتعليم
وقد أثار حجم المشروع بعض الانتقادات من الصحافيين، الذين رأوا أن التوسعة قد تتجاوز بساطة أسلوب جياكوميتي، في حين أكّد القيّم الفنّي للمشروع أن روح الفنان كانت دائماً في العمل المستمر، والنحت والرسم حتى على أصغر الأسطح، وهو ما ألهم البُعد التعليمي للمتحف وارتبط بالجانب التفاعلي والتثقيفي.
تضم المجموعة الفنية التي وثقتها زوجته آنّيت جياكوميتي بعد رحيل الفنان عام 1966 نحو عشرة آلاف قطعة تشمل آلاف الرسومات، وأربعمئة منحوتة، وحوالي مئة لوحة، إضافة إلى مطبوعات وأغراض من مرسمه الأصلي في مونبارناس. وسيعرض المتحف مئات الأعمال من هذه المجموعة، كثير منها يُكشف للجمهور للمرة الأولى، بما يعزز مكانة جياكوميتي كأحد أبرز فناني القرن العشرين ويتيح للزائرين متابعة تطور أسلوبه الفني عبر مختلف مراحل حياته، من بداياته وتجربته السريالية، وصولاً إلى أعمال ما بعد الحرب العالمية الثانية، وانتهاءً بأعماله الأخيرة.
تأثرت أعمال جياكوميتي النحتية والتشكيلية بالحركات الفنية الحديثة مثل التكعيبية والسريالية، كما استلهم من التجارب التعبيرية والوجودية للإنسان. عاش معظم حياته في باريس وكرّس عمله لدراسة الشكل البشري، مع التركيز على الأبعاد النفسية والوجودية في أعماله، وهو ما انعكس في منحوتاته الطويلة والنحيلة بعد الحرب العالمية الثانية، التي حملت شعوراً بالوحدة والعزلة. أما أعماله التشكيلية، فكانت أقل عدداً لكنها اصطبغت بالطابع التجريدي والمكثف نفسه، وقد عُرضت في معارض كبرى حول العالم، من باريس ولندن إلى موسكو ومدريد وفانكوفر، مؤكدة إرثه الفني العالمي وأثره المستمر في المشهد الفني المعاصر.
