حربٌ وعيدٌ ومطر
عربي
منذ ساعة
مشاركة
عُرف المخرج البريطاني ألفرد هيتشكوك بأفلام الغموض المشتبكة مع الجريمة وصدمة المجهول. ومن أبرز أفلامه وأشهرها "الطيور" المأخوذ من مجموعة قصصية "شجرة التفّاح" للإنكليزية دافني مورييه، والتفّاحة يمكن أن توحي سيميائياً بالحبّ، إذ تعيش بطلة الفيلم قصّة حبّ مع أرمل مشغول بتربية أبنائه، وتذهب إلى حيث يعيش في قرية بعيدة. وفي غمرة هذه العاطفة تهطل من السماء غربانٌ جارحةٌ تهاجم القرية، فيمتزج هنا الحبّ بالحرب، في ما يشبه مصيراً غامضاً مجهولاً لا تُعرف نهايته طوال فترة الفيلم الطويل الذي يطرح، ببلاغة سينمائية، قضيةَ التهديد الذي ما فتئ يتعرّض له الوجود البشري. وبوحي من هذا الفيلم، كتبتُ في أثناء إقامتي الدراسية في بداية التسعينيات بالمغرب، قصة بعنوان "قرية ابادها المطر"، نشرت في صحيفة القدس العربي، وقد ضاعت مني ولم أضمها في كتاب. جاء عيد الفطر هذا العام على إيقاع حرب غامضة الأهداف، لا أحد يستطيع التكهّن بسهولة بمآلاتها ونهايتها، وفي غمرتها جاءنا العيد، وجاء المطر. في عُمّان يشكّل سقوط المطر عيداً يرقى إلى مستوى المهرجان الشعبي، حيث تُطلق بعض السيارات أبواقها وتشعل أضواءها. يكون المشهد درامياً، فقبل وقت قصير كانت الحياة جافّةً بلا قطرة ماء، لتنقلب فجأةً إلى مياه زائدة عن الحاجة: جوانب الشوارع فائضة بالماء، وبرك كثيرة في الطرقات الداخلية، وصور ومقاطع فيديو مليئة بمشاهد المياه تتلقّاها الهواتف من دون انقطاع، وإرشادات ترسلها كلّ حين هيئة الأرصاد، وأيضاً هيئة الدفاع المدني والإسعاف، فقد تغرق السيارات، وغالباً بسبب تهوّر أصحابها. في لحظة كتابة هذه السطور، فقد ثلاثةُ أشخاصٍ أرواحهم بسبب السيول والمغامرة بالعبور. ولكن، في الوجه الأعمّ للحياة، تعمّ بهجة حقيقية عميقة، وكثير من الناس يتركون سيّاراتهم ويترجّلون مشياً من دون هدى، متسكّعين على إيقاع المطر الغزير، ومن دون أن يرفعوا مظلّات فوق رؤوسهم. وكان النصيب الأوفر من الفرح للأطفال، الذين لن نستغرب إذا علمنا أن بعضهم يرى المطر للمرّة الأولى، وقد اعتاد أن يرى الماء في الأرض، وها هو الآن يهطل عليه من السماء مدراراً. تكون مراقبة الأطفال مبعثاً للغرابة والإثارة، وهم يطلقون صرخات الفرح على آخرها، وفي القرى تجد الصبية يهرعون إلى أعالي الجسور لرؤية الوادي وماؤه يتدفّق راكضاً، وكأنّ مارداً يلاحقه. وكان، في بداية طلعته، يجرف كلّ شيء في طريقه، وينظّف سطح الأرض من الزوائد والمقذوفات. في هذه اللحظات، يكون الوادي خطراً يمكنه أن يجرف في طريقه الأعمى حتى الشاحنات الضخمة إن تجرّأت على اعتراض طريقه. جاء المطر هذا العام متزامناً مع أيام العيد، وتزامن استقباله مع استقبال عيد الفطر، فبدأ الصباح بوجبة العرسية، وهي مزيج من أرزّ ودجاج أو لحم مهروسين، ثم يُصبّ عليها معصور الزبيب لتحليتها. وفي الظهيرة، يأتي دور ما يسمّى "المقلاي"، إذ يُقسّم اللحم بين ثلاثة: المقلاي، والمضبي، والشواء. يُقدّم المقلاي عادةً مع الخبز الرقيق (خبز الرخال العُماني). وفي هذا اليوم نفسه يُدفن ما يسمّى بـ"الشواء" في حفرة ضخمة أو تنوّر أرضي، يتجمّع لفتحته عدد من العائلات، كلٌّ بخصفته، والخصفة هي كيس سعفي أو شوال يُوضع اللحم داخله مع إضافة التخميرة المعدّة سابقاً. وهذا اللحم، قبل أن يُوضع في الأشولة، يكون غالباً ملفوفاً بأوراق الموز أو أوراق شجرة تسمّى بـ"الشوع". يُدفن تحت الأرض يوماً ونصف يوم، قبل أن تأتي ساعة "النبش"، وفيها يجتمع أصحاب الأشولة، كلٌّ يأخذ نصيبه التي أودعها باطن الأرض، لتخرج ناضجةً مشتهاة. ولكي تُميّز، يُوضع عليها علامةٌ من حديد لا يمكن للنار أن تذيبها. هذا العام، وبسبب الأمطار، إذ تسلّلت المياه إلى الحُفر، حُرم كثيرون من وجبة الشواء العريقة، كما حُرموا من وجبة المضبي أو المشاكيك (أسياخ سعفية تُشكّ فيها قطع صغيرة من اللحم). حُرم بعضهم من الشواء والمضبي إذاً، ولكنّهم عُوّضوا بمشهد المطر الآسر والنادر.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية