عربي
"يا لتفاهة رجلٍ استغل نتوءات بعظامه لتجنب القتال في حرب فيتنام، يرقص اليوم على قبر جندي سابق قديرٍ، مُكرّم بوسام". بهذه العبارات، انتقدت مجلة ذي أتلانتك، أمس الأحد، شماتة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بوفاة المحقّق الخاص بقضية التدخل الروسي بالانتخابات الأميركية في عام 2016، روبرت مولر الذي قلّةٌ من الناس، على دراية بأنه جمهوري محافظ من حزب ترامب، لكنه تحوّل إلى ألدّ أعدائه، حين قاد في عام 2017 التحقيق الواسع الذي رأى فيه الديمقراطيون فرصةً لعزل الرئيس، بعد فوزه المفاجئ في انتخابات الرئاسة بخريف 2016، بوجه منافسين محنكّين من كلا الحزبين، وعلى رأسهم الديمقراطية هيلاري كلينتون، ما أثار الشبهات بحصوله على دعم روسي.
وطوال عامين من المواجهة، شنّ الرئيس الأميركي حملةً إعلامية وسياسية شعواء على المحقق الخاص، شكّلت أحد أركان محاولات الرئيس الطويلة للانقلاب على "الدولة العميقة"، ولاحقاً على الدستور، حين دفع أنصاره إلى اقتحام الكونغرس لمنع المصادقة على فوز جو بايدن بالرئاسة عام 2020. وبينما كان لمنازلة ترامب – مولر الفضل في تكريس مصطلح "مطاردة الساحرات"، الذي استغله الرئيس لمهاجمة خصومه السياسيين وحشد أنصاره من اليمين المتطرف، فشل الديمقراطيون عبر التحقيق في استعادة تجربة أزمة ووترغيت في سبعينيات القرن الماضي، التي أدّت إلى خروج الرئيس ريتشارد نيكسون من السلطة، ما أبقى على ترامب ولايةً كاملة في البيت الأبيض، مع محاولة عزل فاشلة.
شماتة ترامب بوفاة روبرت مولر
وكان يُمكن لترامب ألا يعلّق بهذه الفظاظة على وفاة روبرت مولر (81 عاماً) التي أعلنت أول من أمس، لولا أنه يريد ربما مرة أخرى، إبعاد الانتباه عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران المتعثرة في تحقيق أهدافها بإسقاط النظام سريعاً، أو ما بات يعرف بالمصطلحات الأميركية الإسرائيلية بـ"النصر الحاسم والكامل". عوضاً عن ذلك، قرّر الرئيس ترامب تسجيل انتصار رمزي يعبّر عن نزواته الانتقامية الطاغية على خطابه السياسي، حيث كتب على منصة تروث سوشال: "لقد توفي روبرت مولر للتو. جيّد، إنني سعيد بموته". وأضاف: "لم يعد بوسعه إيذاء الأبرياء"، في إشارة إلى ما يرى فيه وأنصاره حملةً مفبركة ضدّه خلال ولايته الأولى.
وكان ترامب قد تعامل سابقاً مع وفاة السيناتور الجمهوري جون ماكين، الذي اختلف معه كثيراً، بلامبالاة تامة، ولم يلتزم بالبيان الذي كان قد أعدّه البيت الأبيض استباقاً لوفاة ماكين، وأشاد فيه بخدمته العسكرية والسياسية، بل اكتفى بتغريدة مقتضبة وامتنع عن حضور جنازة السيناتور الراحل. ولدى وفاة الرئيس جيمي كارتر، نعاه ترامب بتغريدة مقتضبة، وحضر جنازته، لكن بعدما سخر مراراً على "تروث سوشال" حين كان لا يزال حيّاً، واصفاً إياه بـ"أسوأ رئيس في تاريخ البلاد"، و"الأسعد لأنه الأسوأ بعد جو بايدن".
يستحكم هاجس بترامب بأن الديمقراطيين مصمّمون على عزله
لكن تعليق ترامب على وفاة مولر، حمل الكثير من الخبث، بعدما كانت العلاقة بينه وبين المحقق الخاص، أشبه بالحرب، وشجّعت على محاولة عزله عام 2019، بقضية الضغط على أوكرانيا، كذلك فإنها ساهمت في إطلاق ترامب عملية طويلة لمعاقبة كلّ المنخرطين في التحقيق، بل حتى شّن حملة تطهير لاحقة، طاولت الإدارات الفيدرالية، حيث انتقم ترامب من كلّ خصومه، وأزاح عدداً كبيراً من الموظفين الذين لا يعتبرهم موالين لهم، وسط هاجسٍ استحكم به بأن الديمقراطيين لن يكلّوا عن محاولة عزله.
وكان روبرت مولر من جهته، شخصية عامة عرفت بكفاءتها المهنية، وقلّة كلامها، مقارنة بثرثرة الرئيس عنه. وبعدما قضى ثاني أطول فترة قيادة على رأس "أف بي آي"، الذي تولى مهامه على رأسه قبل أسبوع من أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001، وخدم فيه بعهد جورج دبليو بوش وباراك أوباما، وتسلّم التحقيق في 17 مايو/ أيار 2017، بطلب من وزارة العدل آنذاك، حيث عيّن محققاً خاصاً بتواصل محتمل بين حملة ترامب الرئاسية وعملاء روس لمساعدة الأخير على الفوز بالرئاسة. وجاء تعيين مولر بعد ثمانية أيام فقط، بذلك الشهر، من طرد ترامب مدير "أف بي آي" (السابق) جايمس كومي، الذي كان يحقّق في التدخل الروسي. وينقل عن ترامب في بعض وسائل الإعلام قوله لدى إطلاعه على تعيين مولر: "إنها آخر أيامي في الرئاسة".
ولكن إذا كان قد عرف عن مولر إحداثه ثورة في "أف بي آي" وعملية إعادة هيكلة شاملة لمواكبة تحديات القرن الـ21، إلا أنه فشل في إدانة ترامب أو رسم مسار للتحقيق بأدلة مُحكمة قادرة على طرد رئيس في الخدمة.
وثق مولر تدخل روسيا في الانتخابات الأميركية 2016، واتصالاتها بحملة ترامب
وكان روبرت مولر معروفاً بصرامته، ووثّق تدخل روسيا في الانتخابات الأميركية 2016، واتصالاتها بحملة ترامب، لكنه اختار عدم توجيه تهم جنائية للرئيس. وفي مايو 2019، قدّم مولر إلى وزارة العدل، تقريره عن التدخل الروسي في الانتخابات، المؤلف من 448 صفحة، حيث لم يوصِ فيه باتهام المزيد من الأشخاص، لافتاً إلى أن ترامب رفض إجراء أيّ مقابلة معه في إطار إعداد التقرير، كما حاول إقالته، وهو ما جعل التقرير غير قادر على تبرئة ترامب في ما خصّ عرقلة العدالة. وبينما خلص مولر إلى عدم التوصل إلى أي شبهة جنائية بوجود تآمر بين حملة ترامب وروسيا، إلا أنه أدّى إلى توجيه الاتهام لـ35 شخصاً، بينهم عدد من الذين كانوا أعضاءً في إدارة الرئيس وحملته الانتخابية. وأكد التقرير أن ترامب كان يرغب في الاستفادة من الخدع القذرة مثل نشر موقع ويكيليكس رسائل بريد إلكتروني سرقها قراصنة روس من فريق حملة كلينتون.
أكبر مطاردة شعواء
من جهته، وصف ترامب تحقيق مولر بأنه "أبرز عملية خداع" لإنهاء رئاسته و"أكبر مطاردة شعواء" في تاريخ الولايات المتحدة، علماً أن التقرير أدّى إلى سجن مستشارين لترامب، من بينهم جورج بابادوبولوس. وفي أكتوبر/ تشرين الأول 2019، فتحت وزارة العدل الأميركية بقيادة ويليام بار، تحقيقاً في الدوافع التي تقف وراء تحقيق مولر، وذلك بإشراف بار وقاضي التحقيق الفيدرالي جون دورام. وفي عام 2025، بعد عودته إلى البيت الأبيض، واصل ترامب انتقامه من مولر، حيث وقّع على قانون فيدرالي، يضيّق على شركة المحاماة "ويلرمرهايل" التي كان يعمل فيها مولر (حتى 2022 بعد تشخيص إصابته بداء باركنسون في 2021)، والحكومة الفيدرالية.

أخبار ذات صلة.
لعبة أميركية اسمها الحرب
العربي الجديد
منذ ساعة