يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ من أنسام عبدالله
تشكل أوقاف لحج (جنوب اليمن) واحدة من أبرز الشواهد الحية على تاريخ السلطنة العبدلية، التي ارتبط فيها الوقف بالحياة اليومية للسكان، من الزراعة والتعليم إلى رعاية المحتاجين. غير أن هذا الإرث التاريخي يواجه اليوم تحديات متراكمة، تتراوح بين تآكل الوثائق، وتداخل الملكيات، وتزايد النزاعات، في ظل واقع إداري وقانوني معقد.
في الماضي، ارتبطت الأوقاف في لحج بنظام دقيق يعكس مكانة الوقف كركيزة أساسية في إدارة الأرض والمجتمع، حيث كانت الأراضي الزراعية تدار وفق وثائق سلطانية محكمة، وكان ريعها يسهم في صيانة السواقي ودعم الفلاحين، إلى جانب تمويل المساجد وحلقات العلم، بل امتد ليشمل أوجهًا إنسانية واسعة.

شهادة من ذاكرة الأرض
يستحضر الحاج أحمد مسلم ناصر، من مديرية تبن، ملامح ذلك الزمن، مشيراً إلى أن أراضي الأوقاف كانت تخضع لتنظيم صارم وواضح المعالم، حيث كانت الحدود معروفة، والإنتاج الزراعي مزدهراً بفضل توجيه عائدات الوقف لخدمة الأرض والمزارعين.
ويؤكد في حديث لـ”يمن مونيتور”، أن هذا الترابط تراجع اليوم، مع تداخل الحدود وتوسع البناء على حساب الأراضي الزراعية، ما أدى إلى فقدان جزء من هوية لحج الزراعية.
نزاعات وشكاوى متصاعدة

في المقابل، يعكس الواقع الحالي حالة من الجدل والاتهامات، إذ يشير المواطن محمد الدميني إلى وجود تجاوزات في إدارة بعض الأوقاف، من بينها التلاعب بعقود وتأجير عقارات وقفية، وحرمان بعض المواقع الدينية من مواردها المخصصة للصيانة.
كما يلفت إلى نزاعات قائمة حول أراضٍ وقفية، من بينها قضايا تتعلق بورثة بيت العيدروس، الذين يؤكدون امتلاكهم وثائق وأحكاماً قضائية تثبت حقوقهم، في ظل خلافات مع إدارة الأوقاف بشأن استثمار تلك الأراضي وتحويل استخداماتها.
رؤية رسمية وتحديات معقدة
من جانبه، يقر مدير مكتب الأوقاف في لحج، محسن الشعبي، بوجود صعوبات كبيرة، مشيراً إلى أن طبيعة الأوقاف في المحافظة، الممتدة والمتشعبة منذ العهد السلطاني، تجعل إدارتها معقدة، خاصة مع تآكل الوثائق القديمة وفقدان بعضها.
ويؤكد في حديثه لـ”يمن مونيتور”، أن المكتب يعمل على مشروع رقمنة السجلات لحمايتها من الضياع والتزوير.

ويوضح الشعبي، أن إيرادات الأوقاف تراجعت، خاصة من الأراضي الزراعية، نتيجة الجفاف وشح المياه، إضافة إلى تغيرات عمرانية أثرت على أنظمة الري التقليدية، ما أدى إلى خروج بعض الأراضي من دائرة الإنتاج. كما يشير إلى إشكاليات قانونية تتعلق بعقود الإيجار القديمة، حيث يخلط البعض بين ملكية المباني وملكية الأرض الوقفية.
ويضيف أن المرحلة الحالية تشهد تحديات قانونية إضافية، من بينها مقترحات تتعلق بالوقف الذري، وما يرافقها من خلافات مع بعض الأسر، مؤكداً أن القضاء يظل المرجع الأساسي لحسم النزاعات، في ظل محدودية الإمكانات والرقابة.
حاجة ملحّة للإصلاح
في ظل هذه التحديات، تبرز أوقاف لحج كملف يتطلب معالجة عاجلة للحفاظ على إرث تاريخي واقتصادي مهم، عبر تنظيم العلاقة بين الجهات المعنية، وحماية الوثائق، وضبط الاستثمارات، بما يضمن استعادة دور الوقف في خدمة المجتمع والحفاظ على هوية المحافظة.
وفي هذا الشأن يوصي المحامي وضاح سالم في حديث لـ”يمن مونيتور” ، بعدة توصيات أبرزها تشكيل لجنة فنية وقضائية لمراجعة العقود الاستثمارية وإيقاف تحويل الأراضي الزراعية إلى سكنية، تسريع تنفيذ مشروع رقمنة الوثائق وصيانتها باعتبارها مرجعاً أساسياً.
كما يوصي، بضرورة تنظيم الإيرادات وضمان توريدها لصالح صيانة المساجد والأربطة، وكذا تفعيل أجهزة الرقابة للتحقيق في الشكاوى وتمكين أصحاب الحقوق وفق الأحكام القضائية.
The post أوقاف لحج.. إرث العبادل بين عبق التاريخ وتحديات الحاضر appeared first on يمن مونيتور.