مؤشرات خطيرة خلف جرائم العنف الأسري في سورية
عربي
منذ ساعة
مشاركة
في ظل الظروف الصعبة التي تواجهها الأسر السورية، برزت جرائم القتل العائلية بوصفها مؤشراً مقلقاً إلى تصاعد مستويات العنف، منذرةً بحالة من التفكك في مجتمع ينبذ هذا النوع من الجرائم. وما يلفت الانتباه هو ارتفاع وتيرة الجرائم التي ترتكبها زوجات بحق أزواجهنّ، رغم كونهنّ الطرف الأضعف في المجتمع. ومنذ مطلع العام الجاري، سُجّلت في سورية العديد من جرائم القتل، كان أحد الزوجين فيها إمّا الجاني أو الضحية. ولعلّ الجريمة الأشد وقعاً تلك التي شهدتها مدينة الدانا، شمالي إدلب، في مارس/ آذار الحالي، حيث قتلت زوجة زوجها وقطعت أوصاله، وفق الجهات الأمنية.  ويوضح الباحث في علم الاجتماع طلال المصطفى لـ"العربي الجديد": "هذه الجرائم لا تُبرّر مجتمعياً، وإنما تدلّ على حجم الضغوط المعيشية والنفسية المتراكمة. المجتمع السوري يقوم على التماسك الأسري ويرتبط بتاريخ وتقاليد، وهذه الحالات منحرفة وفردية. بطبيعة الحال، فَقَد السوريون الكثير من الأمان المعيشي والمجتمعي منذ عام 2011، وهذا من أسباب زيادة التوتر داخل الأسر". ويضيف المصطفى: "ثقافة القتل لم تكن موجودة في المجتمع السوري، وإنّما نجمت عن عوامل اجتماعية ومعيشية ونفسية حادة، وقد برزت هذه الجرائم من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، وهي حالات خطرة بالتأكيد. الخوف الذي تزرعه هذه الجرائم يترك آثاراً سلبية على مستوياتٍ عدة، ويساهم في زعزعة الاستقرار داخل الأسرة، وهي الخلية الأساسية للمجتمع، وتصل تأثيراته إلى الأسرة الكبيرة الممتدة والأقارب في بعض الحالات، كما ينجم عن هذه الجرائم ترسيخ نمط من العنف يتحول إلى وسيلة حلّ للخلافات الزوجية، وسط غياب آليات الحوار والدعم الاجتماعي والنفسي. وقد أدّت عوامل التهجير والنزوح إلى تفكك شبكات الدعم التي كانت تعزّز الاستقرار المجتمعي وتساهم في حل الخلافات الزوجية، ومن بينها العائلة الممتدة والأقارب والجيران". ويرى المصطفى أن المجتمعات التي تعيش صدمة طويلة نتيجة الحروب، كما في الحالة السورية، تكون أكثر عرضة لارتفاع مستويات العنف الأسري، والحد من هذه الظاهرة يتطلب مقاربات من جوانب عدّة، منها تعزيز وعي المجتمع بطرق إدارة الخلافات الزوجية ورفض العنف. ووفق رأيه، يمكن أن تلعب منظمات المجتمع المدني دوراً مهماً في تبديد العنف، من خلال توفير الدعم النفسي والاجتماعي للأسر التي تعاني من ضغوط النزوح والتهجير والحرب، كاشفاً عن محدودية هذا النوع من الفرق المتخصّصة في دمشق، ومؤكداً ضرورة وجودها في بقيّة المحافظات من أجل تعزيز الوقاية من العنف الأسري، إلى جانب جهود المؤسسات والمنظمات الحكومية من محاكم وقضاء. لكن دور تلك المؤسسات ضعيف، وقد يقتصر على المؤتمرات، من دون أن يرتقي إلى مستوى العمل الميداني، خصوصاً في مناطق شمال وشرق سورية. ويؤكد الباحث السوري أهمية دور المؤسسات القانونية في حماية ضحايا العنف الأسري، لضمان عدم الإفلات من العقاب، ويضيف: "يُفترض أن تكون هناك برامج خاصة للإرشاد النفسي والاجتماعي، ربما في كل حيّ، وليس فقط على صعيد المنطقة، تساعد الأزواج وأفراد العائلة على حلّ النزاعات بطرق سلمية"، ويشدّد على ضرورة وجود مراكز استشارات أسرية ونفسية للأزواج ممّن يواجهون المشكلات، ولا يجب أن ترتبط هذه المراكز بما نتج عن الحرب فحسب، إنما يجب أن تكون حالة طبيعية في المجتمع، تؤمّن دعم النساء وحتى الرجال المتضررين من العنف، عبر برامج حماية قانونية واجتماعية. ويتابع المصطفى: "يجب أن ترتبط بهذه المراكز برامج تمكين اقتصادي للأسر المتصدعة أو الأسر الضعيفة اقتصادياً ومعيشياً، لأن الاستقرار الاقتصادي يلعب دوراً أساسياً في تخفيف التوترات والحالات العنفية". ويتحدث عن دور كبير للقيادات المحلية والمجتمعية التي قد تكون من وجهاء المجتمع، ومن الجنسين، لنشر ثقافة الحوار وحلّ النزاعات بطرق سلمية"، ويضيف: "هذه الحوادث العنفية التي تصل إلى القتل يجب أن نتعامل معها بوصفها إشارات إنذار لوجود ضغوط اجتماعية ومعيشية عميقة، وليست فقط جرائم فردية معزولة". ويختم: "معالجة الأسباب البنيوية المرتبطة بالحرب والنزوح والتهجير والضغوط الاقتصادية والمعيشية والنفسية هي الطريق الأساسي، إن لم نقل الوحيد، للحدّ من تكرار هذه الحالات العنفية". وكشفت التحقيقات الأمنية في مدينة حلب، في مارس الجاري، تفاصيل جريمة مروّعة وقعت في حيّ الأنصاري، حيث أقدمت بشرى دعبول على قتل زوجها إياد السعيد من قرية بابكة في ريف حلب الغربي، من خلال وضع مادة سامة في طعامه، أضافت إليها مادة مخدرة بهدف شلّ حركته ومنعه من المقاومة. وأوضح أحد جيران الضحية، لـ"العربي الجديد"، أن "العائلة كانت تبدو عادية، لكن بعد انتشار تفاصيل التحقيق شعر الناس بصدمة كبيرة، ولا سيّما أن المغدور كان معروفاً بين جيرانه". وفي فبراير/ شباط، كشفت محافظة حماة (وسط)، في بيانٍ، تفاصيل جريمة ضلعت الزوجة فيها بالتحريض على قتل زوجها، بعد اعتراف المنفذين بالاشتراك معها في الجريمة، لتعترف أيضاً بتسليم أحد الجانيين خاتماً ذهبيّاً لقاء تنفيذ الجريمة. وكانت امرأة قد أقدمت على قتل زوجها في يونيو/ حزيران 2025 بإطلاق النار عليه من سلاح فردي في مخيم الكمونة للنازحين الواقع في شمال محافظة إدلب (شمال غرب)، على خلفية تعرّضها لعنف متكرر جسدي ونفسي. كما سُجّلت جرائم أسرية عدّة، كان الزوج هو الجاني فيها، منها جريمة وقعت في مدينة تل رفعت، شمالي محافظة حلب، حيث أطلق فادي جمال النار على زوجته داخل منزله، ما أدى إلى مقتلها على الفور. وبعد ارتكاب الجريمة، تحصّن داخل المنزل واحتجز أطفاله، مهدّداً بإيذائهم في حال حاولت قوات الأمن اعتقاله، ليُعتقل بعد ساعات من تنفيذه الجريمة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية