هابرماس وأمثاله.. عندما تختلف النظرية الاجتماعية عن الالتزام السياسي
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
في عام 2002، جاء يورغن هابرماس إلى القدس لإلقاء محاضرة نظّمها أحد أصدقائي. وخلال العشاء الذي تلا المحاضرة، روت زوجته حكاية طريفة. ففي إحدى المرات، كان هابرماس يراجع كلمته الرئيسية على متن الطائرة أثناء سفره إلى مدريد. وفي اليوم التالي، عندما وصل إلى المؤتمر وفتح حقيبته ليُخرج نصّ المحاضرة، اكتشف أنه غير موجود؛ فقد نسيه على متن الطائرة. وهكذا، وللمرة الأولى في حياته، اضطر إلى إلقاء محاضرته اعتماداً على ذاكرته فقط. ثم اعترفت زوجته، مبتسمة، بأن تلك كانت المرة الوحيدة التي فهمت فيها حقاً ما كان يقوله. وختمت القصة بروحٍ من الدعابة اللطيفة: "زوجي معقّد جداً". انطلاقاً من هذه الحكاية الصغيرة، يمكن أن نتساءل عمّا إذا كان فكره نفسه يشترك في هذا القدر من التعقيد: ليبرالياً بعمق في أسسه النظرية، لكنه بدا أحياناً لافتاً بقدر من اللاليبرالية في بعض مواقفه السياسية. هنا أتناول هذه النقطة وكيف نتعامل مع أمثاله الذين تجافي كتاباتهم مواقفهم أو عندما لا يكون هناك اتساق في كتاباتهم. لقد رحل الأسبوع الماضي عملاق النظرية الاجتماعية من الجيل الثاني لمدرسة فرانكفورت البارحة وبلا شك ستبقى "نظرية الفعل التواصلي" واشتغاله على الديمقراطية التداولية والمجال العمومي حيين لمدى طويل. ولكن هناك سؤال أعم يتعلق بإمكانية تطبيق القيم الليبراليَّة خارج حدود الدولة الوطنيّة، أو خارج الفضاء الأوروبي. لقد نقدت في كتابي "ضد الليبرالية  الرمزية: دعوة إلى علم اجتماع تحاوري" (2025) بعض مفاهيم جان رولز للِّيبراليّة بوصفها لا تكترث بالعدل الاجتماعي الكوني إلّا ضمن الدولة الوطنيّة. ويورغن هابرماس حالة نموذجية هنا، فهو يتمتّع بجاذبية خاصّة بين حامِلي النظريات الليبراليَّة في السّياسة والأخلاق، فضلاً عن مساهماته الفلسفيّة الصُّلبة في نقاشات الدّيمقراطيّة التّواصليّة وأخلاقيّات الاختلاف. ومع ذلك فقد تعثّر يورغن هابرماس حين علّق على حقّ الفلسطيني في التحرُّر الوطني. ليبرالية لا تكترث بالعدل الكوني إلا ضمن الدولة الوطنية فقد شارك في توقيع بيان "مبادئ التضامن" لمركز أبحاث "الأوامر المعياريّة" بجامعة غوته في فرانكفورت. يَصعَقُك البيان بالانحياز الفاضح، وبانعدام أيّ شعور بالحرج حيال ما تفعله إسرائيل في غزّة. لم يكن هابرماس حسّاساً، على الإطلاق، إزاء تصرّفات إسرائيل في الأراضي الفلسطينيّة، وقد شعرتُ بذلك منذ أول لقاء بيني وبينه أوائل الانتفاضة الثانية، حين تناولنا العشاء معاً في القدس. وقد فوجئت بموقفه الغريب منذ ذلك الحين، ولم أجد إنكارَه للحقوق الوطنيّة الفلسطينيّة هفوةً سياسيّة كما ذهب بعض زملائي. لا يتعلق الأمر بهابرماس بوصفه شخصاً، بل بكيفية التعامل مع أفكاره ونظريَّته في التواصل الحواري بعد تعليقاته الأخيرة. وهنا أعتقد أنّ التمييز ممكن بين الأفكار المرتبطة بموقف سياسي ما والأفكار غير المرتبطة، على نحوٍ مباشر، بأيّ موقف، لذلك لن أرميَ نظريّاتِه بسبب موقفه من فلسطين.  لمناقشة كيفية معالجة الفجوة بين قيَم الليبراليَّة وتطبيقها من قبل مُنظّر جدلي ما، على  الباحث إيجاد تبرير مكوَّن من ثلاثة أجزاء. أوّلاً، "العزل المفاهيمي" لبعض أفكار الباحث الإشكالي في ما يتعلق بآرائه العنصرية أو المَعيبة. ثانياً، "تقسيم العمل الفكري"، حيث سيُركِّز بعضنا على المساهمات الإيجابيّة للباحث الإشكالي، وسيتناول بعضنا الآخر آراءه المثيرة للجدل فقط. ثالثاً، "التطور التاريخي لوجهات النظر العلميّة/الأخلاقيّة"، بمعنى أنّ البشرية طوَّرت تصوُّراتٍ حول "الآخريّة" (otherness) مختلفة عن الماضي، وما نراه اليوم أخلاقياً قد يصبح عنصرياً أو مَعيباً في المستقبل. ولذلك سأظلّ أتعامل بجدّية مع نظريّة الفعل التواصلي عند هابرماس وأحيي رفضه المبدئي لجائزة الشيخ زايد حتى لو كنت أرفض موقفه السِّياسي الاستعماري بشأن فلسطين. ولا يعني هذا تمييع التفكُّر في بعض الأنماط. فباستثناء هربرت ماركوزه جزئيّاً، كان جميع المفكرين المرتبطين بمدرسة فرانكفورت للنظريّة النقدية عُمْياً وبُكماً تجاه حركات ما نسمّيه اليوم الجنوب العالمي. وبهذا المعنى، فإنّ هابرماس هو مجرد فيلسوف وفيّ لتقليد مدرسة فرانكفورت. لم يكن حسّاساً، على الإطلاق، إزاء جرائم إسرائيل في فلسطين أستخدم المنطق نفسَه مع مارتن هايدغر، وميشيل فوكو، وإيمانويل ليفيناس، وجون لوك، وإيمانويل كانط، وديفيد هيوم، وكارل ماركس، وهَلُمَّ جرّا. ويجب أن يمتدّ ذلك أيضاً إلى السياسيِّين (الحاليِّين والتاريخيِّين)، وإلى المشاهير والشخصيّات العامّة الرائدة، بحيث نتمكن من الاحتفاء بما نعتبره أعمالاً صالحة، وننتقد، في الوقت نفسِه، مظالمَهم وخطاياهم في حقّ مجتمعهم، وخصوصاً إرثَهم الاستعماري. ومن الأمثلة المفيدة هنا، ما نجده في المتحف الوطني للفنون الجميلة في أمستردام، حيث يضيف إلى كلّ لوحة لشخصيّة هولنديّة تاريخيّة لافتةً تشرح دورها في تجارة العبوديّة. أُفَضِّل الإضاءة على تعدُّد جوانب الشّخصيّات التاريخيّة على الدعوة إلى إزالة اللوحة أو التمثال أو الصرح. فمثلاً، كانت هناك محاولة لإزالة اسم ديفيد هيوم من "برج ديفيد هيوم" في جامعة إدنبرة. كان الاقتراح الأولي استبداله ليحلّ محلَّه خريج آخر، وليصبح "برج يوليوس نيريري"، تكريمًا للزعيم التنزاني المناهِض للاستعمار الذي تخرَّج في الجامعة نفسها عام 1952. ولكن هناك من أشار إلى أنّ زعامة نيريري اتّسمَت بالسلطويّة ورُهاب المِثليّة، فما العمل إذاً؟ وعلى المنوال نفسِه، اقترح أحد أساتذة الاجتماع العرب تدريس عالِم الاجتماع الأميركي الأسود دو بويز بدلاً من إميل دوركهايم، الذي صمت تماماً عن الاستعمار الفرنسي في الجزائر. هل يمكننا أن نتخيَّل طالباً جامعياً في علم الاجتماع لا يعرف مؤسِّس علم الاجتماع الفرنسي؟ وما العمل حين نجد أنّ دو بويز تجاهل مأساة الشعب الفلسطيني، وأشاد بقيام دولة إسرائيل؟ لن نتمكَّن من وضع حدٍّ لهذه الدوَّامة من الاستبعاد لو بقينا نفكِّر بالثنائيّات: ملاك أو شيطان، مذنب أو بريء، إلخ. وحده التبرير الثلاثي الذي تحدَّثْنا عنه سيهزم مثل هذا التوجُّه. باختصار، يمكننا التعامل مع إنتاج المعرفة الأوروبيّة الأميركيّة كما تعامل معها ديبيش تشاكرابارتي، أي بوصفها معرفة ضرورية ولكن غير كافية. هذا هو المعنى العميق لدعوته إلى "ضيعنة" أوروبا (Provincializing Europe) (بمعنى تقليل وزنها الكوني واعتبارها إقليماً من أقاليم العالم أو قرية من قراه لا مدينته المركزية). ويمكننا أن نتساءل عن موقف بعض الباحثين بعد غزّة، تحديداً مَن بحثوا في المعرفة بعد الحرب العالميّة الثانية، وأظهروا قلّة الاتساق عند مُنتجِيها. أخشى بالطبع من ذلك التوجُّه "الشعبوي" الذي يريد أن يرميَ الحداثة وحقوق الإنسان الكونيّة جرّاء هذه التناقضات. لكنِّي أذكِّر أيّ باحث غربي يأتي للمناصرة ضدّ العنف المنزلي ضدّ نساء الشرق الأوسط بأنّ عليه أوّلاً المناصرةَ ضدّ القتل الجماعي الإسرائيلي للنّساء المدنيّات في غزّة (في حال لم يفعل ذلك بعد). وعلى المنوال نفسِه، يمكن اتّهام معظم صُنّاع السِّياسة الأوروبيّة ومثقَّفيها العضويين بأنّهم فقدوا مرجعيَّتهم المعرفيّة وصدقيَّتَهُم الأخلاقيّة - أفكِّر خصوصاً في السياسات الألمانيّة والبريطانيّة والفرنسيّة التي تُمَوِّل منظَّمات حقوق الإنسان في الجنوب العالمي. ولذلك أفضل، من الآن فصاعداً، التوجُّه نحو الشّراكة مع الباحثين والناشطين الحقوقيِّين العاملين في أفريقيا وأميركا اللاتينية، الذين يُظهِرون قدرة أعلى على التعامل مع المعاناة الإنسانيّة من نظرائِهم الأوروبيين. وهكذا فإنّ العنف المنزلي مهمّ بقدر ما توليه الأجِنْدَة الحقوقيّة الأفريقيّة أو اللاتينيّة أو المحليّة من اهتمام. ولن نتمكن من إنقاذ الكونيّة إلّا من خلال فصل كونيّة حقوق الإنسان - المتجسِّدة مثلاً في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان - عن التيّار الرئيس  في السياسة الأوروبيّة-الأميركيّة. * أكاديمي فلسطيني، وأستاذ جامعي في علم الاجتماع

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية