عربي
تكشف المقابلة التي أجراها تاكر كارلسون مع جو كِنت، المدير المستقيل للمركز الوطني الأميركي لمكافحة الإرهاب، جانباً صريحاً من طريقة اشتغال القرار في واشنطن أخيراً، فقد خرج الرجل من داخل المؤسسة الأمنية ليقول إنّ الحرب على إيران لم تستند إلى تهديد وشيك، وإنّ ما عُرض على الرأي العام لم يكن دقيقاً، بل جرى تضخيمه لخدمة قرار سياسي سبق صياغة مبرّراته. ... وتفتح هذه الشهادة، في مصدرها وتوقيتها، النقاش عما يجرى داخل الدولة الأميركية، لا حول الحرب وحدها.
تضع هذه الواقعة أمامنا صورة أوسع لحجم الخسائر التي تكبّدتها الولايات المتحدة في مرحلة دونالد ترامب، وهي خسائر لا تختصر في كلفة الحرب أو نتائجها، بل تمتد إلى موقع الدولة نفسها، وإلى صورتها التي بُنيت عبر عقود بوصفها نموذجاً للمؤسّسات والانضباط والشفافية، ومثالاً للحرية والديمقراطية والعدالة في الداخل، بينما يظهر اليوم أنّ الخلل أصاب هذا البناء في عمقه، وأنّ ما كان يُدار سابقاً داخل الغرف المغلقة خرج إلى العلن مباشرة.
في المقابل، تعكس جلسات الكونغرس أخيراً هذا التحول بوضوح، حين قدّمت مديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد إفادات حذرة لم تؤيد الروايات السياسية بالشكل الذي طُرحت به، إذ تركت مسافة بين ما يمكن تأكيده مهنياً وما جرى تداوله سياسياً، لكنّها فضحت دعاية ترامب ووزيري الخارجية والحرب حول أسباب الحرب، عندما نفت، ضمناً، أن تكون إيران قريبة من امتلاك سلاح نووي أو صواريخ قادرة على تهديد الولايات المتحدة، بل أكثر من ذلك، لمّحت إلى أنّ ما يسمى "مجتمع الاستخبارات" قدّم تصوراتٍ واضحة حول سيناريو مضيق هرمز واستهداف القواعد العسكرية الأميركية والمصالح الأميركية في المنطقة، بخلاف ما زعمه ترامب أنه فوجئ بذلك.
تتجاوز هذه الأزمة بعدها المؤسّسي لتصل إلى البعد الأخلاقي الذي شكّل ركناً أساسياً في القوة الأميركية، فقد قامت هذه القوة على معادلة تجمع بين القدرة العسكرية والقدرة على إقناع العالم بشرعية استخدامها. وبالرغم من أنّ الجميع يعرف أنّ العلاقات الدولية تقوم على القوة والمصالح، لكن في السابق كانت أميركا تدّعي حماية حقوق الإنسان ونشر الديمقراطية والليبرالية، على غرار رواية إحسان عبد القدوس "أنا لا أكذب لكنني أتجمل"، لكن ما نشهده اليوم أنّ هذه المعادلة اختلّت، لم تعد المشكلة في التناقض بين الخطاب والممارسة، فهذا التناقض كان معروفاً، بل في غياب القدرة على ضبط هذا التناقض أو تغطيته ضمن سردية متماسكة، وهو ما جعل الصورة الأميركية تبدو أكثر هشاشة وأقل إقناعاً.
في الداخل، تظهر التحولات بصورة أكثر حساسية، حيث تتعرّض القواعد التي حكمت النظام السياسي لاختبار فعلي، من مكانة القانون إلى دور المؤسّسات، ومن استقلال الإعلام إلى منظومة الحرّيات العامة، خلال فترة قصيرة، تراجعت هذه العناصر مجتمعة، ولم يعد النقاش يدور حول سياسات محدّدة، بل حول طبيعة النظام نفسه، وحدود ما يمكن أن يتحمّله من تحولات من دون أن يفقد توازنه.
تكشف هذه المرحلة عن لحظة مختلفة في تاريخ الولايات المتحدة، لا ترتبط فقط بإدارة أو رئيس، بل بطبيعة التحوّلات التي أصابت بنية القوة نفسها، فقد أخرجت هذه المرحلة إلى العلن ما كان قابلاً للاحتواء سابقاً، ووضعت النظام أمام اختبار حقيقي، يتعلق بقدرته على استعادة توازنه، أو التكيّف مع واقع جديد فقد فيه جزءاً من مقوماته التقليدية.
في الخلاصة، لا تقف الخسارة الأميركية عند حدود السياسة أو الحرب، بل تمتد إلى المجال الأعمق، إلى صورة الدولة عن نفسها، وصورة العالم عنها، وهي خسارة ستظهر آثارها أوضح في المدى البعيد، حين تتراجع القدرة على استعادة الثقة، ويصبح من الصعب إعادة بناء ما تآكل في هذه المرحلة.

أخبار ذات صلة.
"صمت" سعاد ماسي بينما يدوِّي العالم
العربي الجديد
منذ 39 دقيقة
«الدفاع القطرية»: سقوط مروحية بسبب عطل فني
الشرق الأوسط
منذ 48 دقيقة