عربي
لا يفكرون مثل السياسيين والمراقبين، فمعظم الحكومات الخليجية والعربية والغربية تأمل أن يتمكّن "معتدلون" من الإمساك بالسلطة في إيران، حتى يجرى حوارٌ بنّاء معهم، كان الإسرائيليون يعملون في الاتجاه المعاكس، ويدفعون الإيرانيين نحو مزيدٍ من التصلّب والراديكالية.
لا يريد حكّام تل أبيب سلاماً أو استقراراً. لقد أعلن نتنياهو: "نحن نخلق شرق أوسط جديداً، لكن ليس كما كان يراه بيريز بالنظارات الوردية، بل نظاماً جديداً حقيقياً قائماً على القوة". وهو المنطق نفسه الذي يدعو إليه ترامب رافع شعار "السلام عبر القوة". ومن وسائلهم اغتيال القادة من أجل إحداث فراغ في السلطة. ولا يهمّهم إن أدّت هذه السياسة إلى توفير المناخ الداعم للقوى الأشد راديكالية، فذلك ما يريدون الوصول إليه حتى يطيلوا الصراع، ويُثخنون أكثر في الجسم الإيراني حتى لحظة الانهيار والموت. لهذا كانوا دائماً دعاة حرب، وكلما فكر حلفاؤهم في فتح قنواتٍ مع طهران، سارعوا نحو إغلاقها، من أجل مواصلة الحرب وإشاعة الفوضى، ولو كلفهم هذا مزيداً من القتلى والخسائر في سياق حرب استنزافٍ طويلة المدى.
لهذا، وسّعوا دائرة الحرب، وانتقلوا إلى قصف المصالح الاقتصادية الحيوية، مثل آبار النفط وأنابيب الغاز. هم لا يحترمون استراتيجيات الحرب كما ضبطتها القوانين الدولية، فغرضهم تدمير إيران بحجرها وشجرها. إنه الجنون بعينه، وما فعلوه بغزّة وسكّانها دليل على هذا. إنهم يعتقدون أن الفرصة قد حانت لحسم المعركة التاريخية مع فارس. لم يعد هدفهم إضعاف النظام أو إسقاطه، بقدر ما يسعون إلى تفكيك إيران وتحويلها إلى أرض محروقة. لذلك اعتبرت قطر أن قصف إسرائيل حقل بارس للغاز داخل إيران "خطوة غير مسؤولة". خطوة نحو تفجير الأوضاع إقليمياً ودولياً، فضرب البنية التحتية للطاقة "يُعد تهديداً لأمن الطاقة العالمي ولشعوب المنطقة والبيئة فيها". وهو سيناريو لا تهتم به إسرائيل، ما دامت تتحكّم في المخزون الاستراتيجي الأميركي. ومهما حاول ترامب المراوغة والتملص من تأييده الفعلي لكل خطوةٍ تُقدم عليها تل أبيب، فلن يصدّقه العقلاء. فهو على استعداد للتضحية بدول الخليج، كما ضحّى بالشراكة الاستراتيجية لبلده مع أوروبا. المهم بالنسبة له خدمة الخطة الصهيونية التوراتية التي يؤمن بها حكّام الكيان، ويعتقدون أن اللحظة الحاسمة لتنفيذها حرفيّاً قد حانت.
الانتقال إلى مرحلة تدمير الثروات راجع إلى فشل سياسة القوة في إخضاع طهران، ودفعها نحو الاستسلام من دون شروط. كما أن ما حصل ناتج أيضاً عن الضربات القوية التي تلقتها إسرائيل أول مرّة في تاريخها، بشهادة الجميع، مهما حاولت الدعاية الصهيونية إخفاءه والتقليل من حجم الخسائر. لقد وصل الوجع إلى أكثر المناطق والمؤسّسات أهمية داخل الكيان، ما دفعه نحو تجاوز الخطوط الحمراء وممارسة الجنون من أجل دفع القيادة الإيرانية إلى رمي المنديل، أو تشجيع الإيرانيين على الثورة ضد النظام، لكن هذا أدى إلى السيناريو المعاكس، فالإيرانيون يؤمنون اليوم بأنها حرب وجود، وقرّروا اتّباع سياسة "علي وعلى أعدائي". وهم قادرون على ذلك بشهادة مديرة الاستخبارات الوطنية الأميركية تولسي غابارد، التي اعتبرت أن النظام الإيراني "ظل سليما ومتماسكا، لكنه منهكٌ إلى حد بعيد من جرّاء الضربات الأميركية والإسرائيلية". ومحذّرة في الآن نفسه من أن طهران "ستعيد بناء قواتها المسلحة إذا نجت من الحرب".
ما لم تفهمه أميركا وإسرائيل أن إيران اليوم مختلفة عن إيران قبل اغتيال خامنئي. ترامب محقٌّ في قوله "مشكلتنا أننا لا نعرف مع من نتعامل في إيران"، لأنه يريد "حكّاماً في إيران يتعاونون مع الولايات المتحدة". لكنه لن يجد هؤلاء، وقد دمّر كل شيء.
في مقابل هذا الغباء الأميركي الإسرائيلي، تختار القيادة الإيرانية الحالية سياسة الأرض المحروقة مع جيرانها الخليجيين، وتقرّر هدم المعبد على من فيه، أليس في هذا عمى استراتيجي وخدمة مجانية للأعداء؟

أخبار ذات صلة.
"صمت" سعاد ماسي بينما يدوِّي العالم
العربي الجديد
منذ 33 دقيقة
«الدفاع القطرية»: سقوط مروحية بسبب عطل فني
الشرق الأوسط
منذ 42 دقيقة