انقسام أميركي... استقالة جو كينت
عربي
منذ ساعة
مشاركة
تواجه العملية العسكرية الأميركية الإسرائيلية ضد إيران اتهاماتٍ بالغموض وعدم وضوح أسبابها، وتواجه تشكيكاً كبيراً واتهاماً بفشلها في إسقاط النظام الإيراني بالسهولة التي كانت تبشّر بها. ولا يأتي هذا التشكيك فقط من ناشطي السلام، بل أيضاً من شخصيات عسكرية مخضرمة، مثل الجنرال الأميركي المتقاعد ستيفن أندرسون. في مواجهة هذا، يحاول الرئيس دونالد ترامب الدفاع عن تحرّكاته بادعاء أن بلاده كانت تقترب من مواجهة تهديد فعلي بعد حصول إيران على السلاح النووي. يمضي ترامب أكثر فيفخر بما جرى تحقيقه، خصوصاً لجهة إضعاف النظام واستهداف بنيته العسكرية وتحييد أهم الشخصيات، التي كان منها بعد المرشد الأعلى خامنئي رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني. لم تقتصر تداعيات الحرب على تغيير المعادلات الأمنية في الإقليم، بل امتدّت إلى إحداث أزمات عالمية وتباين حاد في وجهات النظر، ليس فقط بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، الذين رفضوا دعوتها إلى الانخراط في الحرب، بل حتى داخل الولايات المتحدة، بل داخل المعسكر الجمهوري نفسه. أعلن في 17 مارس/ آذار الجاري مدير المركز الوطني الأميركي لمكافحة الإرهاب، جوزيف كينت، استقالته، وهذا حدث مهم، فالرجل كان من الدائرة الأمنية المقرّبة من ترامب، ومن الأسماء التي ظلت تدعم خياراته وتحركاته. قال في خطاب استقالته إنه اختار أن ينأى بنفسه عن حربٍ يراها تفتقر إلى التبرير، وهو ما وصف بأنه أوضح حالات الانشقاق داخل البنية الأمنية المحسوبة على الرئيس ترامب. لم يأتِ كينت من مدرسة الجمهوريين التقليديين المؤيدين للتدخلات الخارجية، بل من هذا المعسكر الرافض خوض حروب جديدة في منطقة الشرق الأوسط، تابع كينت بأنه لا يستطيع "من منطلق الضمير" تأييد الحرب الجارية، معتبراً أن إيران لم تكن تمثل تهديداً وشيكاً للولايات المتحدة، وأن الحرب اندلعت بضغط من إسرائيل ولوبيها النافذ في واشنطن. ولفت في رسالته إلى تناقض ترامب، الذي كان يقول حتى يونيو/ حزيران 2025 إن حروب الشرق الأوسط ليست سوى فخ استنزف أرواح الأميركيين وثرواتهم، وتحول اليوم إلى متحمّس لفتح جبهات قتال مختلفة. وتوضح الاستقالة كيف فتحت حرب إيران جبهة اعتراض داخلية حتى في أوساط كانت تُعدّ من الأكثر قرباً وولاءً لترامب، فالرجل لم يكن مجرّد موظف رفيع، بل ظلّ من الشخصيات المهمة على ساحة اتخاذ القرار. وفي تعليقه على نبأ الاستقالة، حاول ترامب التقليل من شأن كينت، لكن مراجعة سريعة لتاريخ الرجل تخبرنا أنه لم يكن شخصاً عادياً، بل كادراً جمع بين خبرات متنوعة، فهو عسكري خدم في الجيش لقرابة عقدين، وهو في الوقت نفسه عنصر مخابرات سابق، إلى جانب أنه كان سياسياً صاعداً. قد يعود التغيّر في نظرة كينت وقناعاته إلى ما مرّ به في عام 2019، حينما قُتلت زوجته، شانون، التي كانت هي الأخرى تعمل في الاستخبارات، في مكان بعيد عن بلادها وفي تفجير تبناه آنذاك تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في منبج السورية. خاض انتخابات الكونغرس مرتين في ولاية واشنطن بدعم من ترامب، وخسر في 2022 ثم في 2024. كانت تلك هي الفترة التي ارتبط فيها اسمه بأفكار ترامب، وواجه فيها انتقادات بسبب علاقاته بشخصيات ومجموعات يمينية متطرّفة. ... كان كينت يشغل موقعاً يقع عند تقاطع الاستخبارات والسياسة، فرئيس مكافحة الإرهاب ليس قائداً عسكرياً ميدانياً، بل مسؤول عن دمج وتقييم معلومات التهديدات الإرهابية ورفعها إلى مستويات القرار العليا. وهذا يعني أن قوله إن إيران لم تكن تمثل تهديداً وشيكاً يطعن في الأساس الاستخباراتي والقانوني الذي بُنيت عليه الحرب. بهذا، تضيف هذه الاستقالة ثقلاً للنقاش القانوني بشان معيار "التهديد الوشيك" واحداً من مبرّرات استخدام القوة، وما إذا كانت طهران قد مثلت تهديداً فعلاً. فتحت حرب إيران جبهة اعتراض داخلية حتى في أوساط كانت تُعدّ من الأكثر قرباً وولاءً لترامب تكشف هذه الاستقالة كذلك انقساماً داخل معسكر "أميركا أولاً" نفسه. لم يأتِ كينت من مدرسة الجمهوريين التقليديين المؤيدين للتدخلات الخارجية، بل من هذا المعسكر الرافض خوض حروب جديدة في منطقة الشرق الأوسط، والذي يدعو إلى التركيز على المصلحة الأميركية المحضة. كان هذا الخط يلتقي سياسياً مع مواقف شخصيات، مثل مديرة الاستخبارات الوطنية، تولسي غابارد، التي كانت مناهضة للتدخلات العسكرية، كما ينسجم مع خطاب ترامب الانتخابي، الذي كان قد ركّز بالأساس على انتقاد حربي العراق وأفغانستان. هكذا نرى في "انشقاق" كينت أقوى إشارة إلى أن حرب إيران لا تشقّ فقط الصف الأميركي العام، بل تضرب أيضاً داخل التحالف الترامبي، الذي أصبح اليوم منقسماً بين جناحين، يميل أحدهما إلى الانكفاء وتفادي الحروب، فيما يبدو الآخر أكثر استعداداً للانخراط العسكري. كان كينت قد خاض معارك طويلة من أجل الثبات في منصبه، وخصوصاً ضد المعارضين الديمقراطيين. من أشهر القصص هنا اشتباكه مع السناتور الديمقراطي مارك وارنر، نائب رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، الذي كان قد اتهم كينت بالسعي للضغط على محللين لتعديل تقييمات استخباراتية توافق السرد السياسي للإدارة في ملف عصابة "ترين دي أراغوا" الفنزويلية، التي كانت معروفة بتهريب المخدرات والاتجار بالبشر ضمن أنشطة إجرامية أخرى، وصنّفتها الولايات المتحدة ضمن الكيانات الإرهابية الدولية، لكن اعتراض وارنر كان على تقارير كانت تضخّم من أثر تهديدات تلك العصابة على الولايات المتحدة، أو التي كانت تركز على اتهام الرئيس الفنزويلي مادورو، الذي اختُطِف لاحقاً في عملية أميركية، بدعمها ورعايتها. تضعنا استقالة كينت أمام مفارقاتٍ لا تنتهي. من جهة، نجد أن الرئيس، الذي بنى رؤيته على نقد التدخلات العسكرية الخارجية، يتحول اليوم إلى أكبر متحمس لإشعال الحروب. ومن جهة أخرى يخرج كينت، الذي هاجمه خصومه لتسييسه السابق الأدلة والتقارير الاستخبارية، محتجّاً على حربٍ يعتبرها مسيَّسة وغير مبرّرة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية