يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ خاص:
دخلت المواجهة العسكرية الكبرى ضد إيران أسبوعها الرابع وسط مؤشرات متزايدة على تصدع عميق في وحدة الموقف بين الحليفين الاستراتيجيين، الولايات المتحدة وإسرائيل.
فبعد استهلالية طبعها التناغم المطلق حول ضرورة تقويض نفوذ طهران وإسقاط النظام، بدأت “فجوة الأهداف” تظهر للعلن بين رئيس أمريكي يسعى لنصر عسكري خاطف بتكلفة اقتصادية مسيطر عليها، ورئيس وزراء إسرائيلي يرى في الصراع فرصة تاريخية لا تتكرر لتفكيك النظام الإيراني كلياً، وهو ما كشفته تقارير متواترة من “واشنطن بوست” و”رويترز” و”إكسيوس”، يوم السبت، محذرة من خروج الصراع عن مسار السيطرة المرسوم له.
شرخ في جدار التحالف: واقعة “جنوب بارس” وتناقض الروايات
وكشفت الضربة الإسرائيلية الأخيرة على حقل غاز “جنوب بارس” العملاق عن حجم التوتر المكتوم بين البيت الأبيض و”الكيريا” في تل أبيب. فبينما سارع الرئيس دونالد ترامب عبر منصته “تروث سوشيال” إلى النأي بنفسه عن الهجوم، مؤكداً أن الولايات المتحدة لم تكن على علم مسبق بالعملية لحماية علاقتها مع قطر، ناقض مسؤولون مطلعون هذه الرواية في تصريحات لصحيفة “واشنطن بوست”، مؤكدين أن الجانب الإسرائيلي أطلع واشنطن على تفاصيل الضربة قبل وقوعها.
هذا التناقض يعكس ارتباكاً في إدارة المشهد، خاصة بعد أن أدت الضربة إلى قفزة حادة في أسعار الطاقة العالمية وتسببت في رد فعل إيراني طال منشآت حيوية في المنطقة.
ويرى مراقبون أن انتقاد ترامب العلني لما وصفه بـ”الانفجار العنيف” من قبل إسرائيل، يمثل محاولة لامتصاص غضب الجناح الداعي لسياسة “أمريكا أولاً” داخل إدارته، خاصة مع مقتل 13 جندياً أمريكياً حتى الآن، إصابة المئات. فقد أثار إصرار إسرائيل على توسيع بنك الأهداف ليشمل البنية التحتية للطاقة غضب مستشاري ترامب الذين يخشون التداعيات الاقتصادية الكارثية.
وبحسب “واشنطن بوست”، فإن استقالة مسؤول مكافحة الإرهاب جو كينت، احتجاجاً على ما وصفه بـ”الانجرار خلف الضغوط الإسرائيلية”، عمقت الأزمة الداخلية في واشنطن ووضعت مصداقية الإدارة على المحك أمام جمهورها الرافض للحروب المفتوحة.
وفي المقابل، يبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستغل “الضوء الأخضر” العسكري الواسع الذي منحه إياه ترامب للذهاب بعيداً في تدمير القدرات الإيرانية، متجاوزاً التحذيرات الأمريكية بشأن استقرار أسواق النفط. وبالرغم من تصريحات نتنياهو بأن “التنسيق مع واشنطن غير مسبوق”، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى أجندة إسرائيلية منفصلة تسعى لإحداث دمار شامل يضمن عدم قيام قائمة للنظام الحالي، وهو ما وصفه مسؤول أمريكي لـ”واشنطن بوست” بقوله: “إسرائيل تنتهج حملة تدمير شامل لتغيير النظام، بينما يريد ترامب إبقاء هيكل الدولة قائماً مع تحجيم قدراتها”.
أهداف متباينة: بين “الغضب الملحمي” وطموحات تغيير النظام
تتمسك إدارة ترامب بتعريف دقيق لعملية “الغضب الملحمي”، حيث حصرها البيت الأبيض في أربعة أهداف: تدمير برنامج الصواريخ، شل البحرية، تحجيم الوكلاء الإقليميين، ومنع السلاح النووي. ومع ذلك، تشير تقارير “رويترز” إلى أن إسرائيل تجاوزت هذه الحدود فعلياً؛ إذ استهدفت نحو 40% من ضرباتها الجوية البالغة 8000 ضربة مقار الأمن الداخلي وقوات الباسيج بهدف إشعال فتيل انتفاضة شعبية.
ورغم نجاح العمليات الاستخباراتية في اغتيال المرشد الأعلى وشخصيات محورية مثل علي لاريجاني وغلام رضا سليماني، إلا أن تقييمات الاستخبارات الأمريكية تشير بمرارة إلى أن “النظام لم يتصدع بعد”.
هذا التباين في الرؤية الاستراتيجية يضع القادة العسكريين في موقف صعب؛ فبينما يرى المخططون الإسرائيليون أن كثافة النيران – التي وصلت إلى 16 ألف ضربة مشتركة – كفيلة بإضعاف قبضة الأمن الإيراني، يحذر مسؤولون إسرائيليون آخرون، وفقاً لـ”واشنطن بوست”، من أن أي خروج للمعارضة الآن قد يؤدي إلى “مذبحة” لعدم انهيار أدوات القمع الإيرانية بشكل كامل.
هذا القلق يتزامن مع تصاعد النبرة المتشددة داخل طهران، مما يشير إلى أن الحرب قد لا تؤدي إلى الانهيار المنشود بقدر ما تؤدي إلى رص صفوف المتشددين خلف ما تبقى من القيادة.
وقال آرون ديفيد ميلر، وهو مفاوض سابق في شؤون الشرق الأوسط خدم في إدارات جمهورية وديمقراطية: “لقد وضع ترامب نفسه داخل صندوق اسمه حرب إيران، ولا يستطيع أن يجد طريقًا للخروج منه. هذا هو أكبر مصدر لإحباطه”.
وعلى الصعيد السياسي، يجد نتنياهو نفسه مدفوعاً بتأييد داخلي جارف، حيث أظهر استطلاع لمعهد الديمقراطية الإسرائيلي أن 93% من الإسرائيليين اليهود يدعمون الحرب حتى سقوط النظام. هذا الضغط الشعبي يمنح نتنياهو هامشاً للمناورة والتمسك بأهداف تتجاوز الرغبة الأمريكية في “تسوية سريعة”.
وبحسب “إكسيوس”، فإن هذا التباين هو ما دفع مديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد للتأكيد أمام الكونغرس بأن أهداف واشنطن وتل أبيب بدأت تتقاطع في نقاط وتتباعد في أخرى جوهرية، مما ينذر بإطالة أمد الصراع بعيداً عن الجدول الزمني الذي وضعه ترامب بـ 4 إلى 6 أسابيع.
معضلة هرمز وتكاليف الحرب: واشنطن في مواجهة العزلة الدولية
تمثل أزمة مضيق هرمز العقدة الأكبر في منشار الطموحات الأمريكية؛ فبينما يدرس ترامب خيار “خفض التصعيد” والانسحاب التدريجي، يظل المضيق مغلقاً، ما رفع أسعار النفط فوق حاجز 110 دولارات للبرميل. وبحسب موقع “إكسيوس”، فإن ترامب يحاول تحميل المجتمع الدولي مسؤولية تأمين الملاحة، واصفاً حلفاءه في “الناتو” بـ “الجبناء” لرفضهم المشاركة في قوة بحرية مشتركة.
يعكس ذلك رغبة ترامب في إعلان “النصر” والهروب من التبعات الاقتصادية، حتى لو ظل المضيق تحت تهديد الألغام والمسيرات الإيرانية، وهو ما قد يترك حلفاء الخليج في مواجهة مباشرة مع طهران “المجروحة”.
وفي سياق متصل، حذر خبراء استراتيجيون عبر “رويترز” من أن سوء تقدير رد الفعل الإيراني قد وضع ترامب في “صندوق” لا يجد مخرجاً منه. فطهران، التي تخوض حرباً وجودية، لم تتردد في استخدام ما تبقى من ترسانتها لضرب العمق الإقليمي وخنق إمدادات الطاقة العالمية.
ويقول السفير السابق جون باس: “لقد فشلت الإدارة في التفكير في سيناريوهات بديلة، حيث لا تسير الأمور وفق الخطة (أ)”. هذا الفشل في التنبؤ أدى إلى تآكل تدريجي في الدعم الشعبي لترامب، حتى بين أقطاب حركة “ماغا” الذين بدأوا يتساءلون عن جدوى دفع أثمان باهظة في محطات الوقود من أجل حرب “لا تنتهي”.
أمام هذا المشهد المعقد، يبدو أن الخيارات المتاحة أمام البيت الأبيض أحلاها مرّ؛ فإما التصعيد وإرسال قوات برية للسيطرة على جزيرة “خرج” أو السواحل الإيرانية لفتح المضيق بالقوة – وهو ما يرفضه ترامب بشدة حتى الآن بقوله “لن أرسل قوات إلى أي مكان” – أو القبول بانسحاب ناقص يترك المنطقة على فوهة بركان.
وأفادت رويترز يوم الجمعة أن الجيش الأميركي ينشر آلافًا إضافيين من مشاة البحرية والبحارة في الشرق الأوسط، رغم عدم اتخاذ قرار بإرسال قوات إلى داخل إيران نفسها.
وبحسب آرون ديفيد ميلر في تصريحه لـ”رويترز”، فإن ترامب يواجه أكبر اختبار لإرثه السياسي، حيث تتداخل الطموحات العسكرية مع الحقائق الاقتصادية المرة، في وقت يبدو فيه أن “براعته في إدارة الرسائل الإعلامية” لم تعد كافية لإقناع العالم بأن الأمور لا تزال تحت السيطرة.
وقال بريت بروين، المستشار السابق للسياسة الخارجية في إدارة أوباما والذي يدير الآن شركة “سيتويشن روم” للاستشارات الاستراتيجية في واشنطن: “إنه يجد صعوبة في قيادة دورة الأخبار كما اعتاد، لأنه لا يزال غير قادر على شرح سبب إدخاله البلاد في هذه الحرب وما الذي سيحدث بعد ذلك. يبدو أنه فقد براعته في إدارة الرسائل”.
تراوح عملية “الغضب الملحمي” مكانها بين نجاحات تكتيكية تمثلت في تصفية رؤوس النظام وتدمير البنية العسكرية الإيرانية، وفشل استراتيجي في حسم الصراع أو تأمين مسارات الطاقة العالمية. ومع بزوغ شمس الأسبوع الرابع، يبدو أن السؤال لم يعد “متى تنتهي الحرب؟”، بل “كيف ستخرج واشنطن منها دون خسارة حلفائها أو اقتصادها؟”، وسط إصرار إسرائيلي على المضي قدماً حتى النهاية، وصمود إيراني مرير يهدد بحرق الأخضر واليابس في أهم ممرات الطاقة في العالم.
The post واشنطن وتل أبيب: طلاق الأهداف مع دخول حرب إيران أسبوعها الرابع appeared first on يمن مونيتور.