عربي
بعد 20 يوماً على إعادة فتح الجبهة اللبنانية والعدوان الإسرائيلي على لبنان، برزت في الأيام الأخيرة المواجهات في الجنوب اللبناني تحديداً في منطقتي الخيام في القطاع الشرقي والناقورة في القطاع الغربي، والتي احتدمت اليوم السبت، مع تسجيل اشتباكات مباشرة بين جيش الاحتلال الإسرائيلي وحزب الله. وفي موازاة هذه التطورات، واصل الاحتلال تقطيع الجسور والطرق، سواء تلك الرابطة بين جنوب الليطاني وشماله، أو في داخل منطقة جنوب الليطاني فضلاً عن تسريع تنفيذ مخططه بتدمير كل البنى التحتية في المنطقة في سياق تحويلها منطقةً غير قابلة للحياة، وهو ما كان وزير الأمن الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، قد جاهر به قبل أيام بقوله "رئيس الحكومة (بنيامين) نتنياهو وأنا وجّهنا الجيش الإسرائيلي بتدمير البنى التحتية الإرهابية في قرى الاحتكاك القريبة من الحدود في لبنان، تماماً كما جرى الأمر مع حماس في رفح، وبيت حانون، وأنفاق الإرهاب في غزة".
وفي مدينة الخيام الجنوبية التي تبعد 5 كيلومترات عن الحدود مع الأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي تشهد أعنف المعارك منذ استئناف العدوان على لبنان، أعلن حزب الله، اليوم السبت، في سلسلة بيانات أنه يخوض "اشتباكات مباشرة مع قوات جيش العدو الإسرائيلي في مدينة الخيام بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة والقذائف الصاروخية"، متطرقاً إلى ضراوة الاشتباكات في أحياء المدينة. كما أفادت الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية، اليوم السبت، بوقوع تفجير وصفته بـ"العنيف... نفّذه الجيش الإسرائيلي في الخيام، تسبب بتحطّم زجاج العديد من المحال في بلدة القليعة المجاورة" من دون الإدلاء بتفاصيل أكثر.
وقعت اشتباكات مباشرة بين حزب الله والاحتلال في الجنوب
وتُعدّ الخيام مدينة استراتيجية في القطاع الشرقي لوقوعها على تقاطع فاصل بين البقاع الغربي وجنوب نهر الليطاني مما يجعل من السيطرة عليها، خصوصاً بفعل ارتفاعها نحو 850 متراً عن سطح البحر، مسألة بالغة الأهمية عسكرياً. وفي القطاع الغربي، احتدمت الاشتباكات في الناقورة على الخط الساحلي، اليوم السبت، بين حزب الله وجيش الاحتلال، الذي قصف المنطقة مدفعياً أيضاً. وتطرقت وسائل إعلام الحزب إلى أنه تجري عمليات تصدٍ بمواجهة محاولات العدو الإسرائيلي التقدم باتجاه الناقورة. والناقورة تُعدّ المدخل الجنوبي لمدينة صور التي طالب الاحتلال مراراً بإخلائها. وتزامناً مع بيانات حزب الله بشأن معارك الخيام والناقورة، أعلن جيش الاحتلال في بيان اليوم السبت، وقوع اشتباك بين عناصر من حزب الله ولواء غفعاتي، من دون تحديد الموقع، مشيراً إلى مقتل عدد من عناصر الحزب.
غارات مكثفة
في هذه الأثناء، واصل الاحتلال غاراته المكثفة جنوبي لبنان. وسقط شهيد بغارة إسرائيلية استهدفت منزلا في بلدة الغندورية في قضاء بنت جبيل، وأُصيب شخصان. واستهدف الاحتلال منزلاً في بلدة زوطر الشرقية ودمره، وأفيد عن سقوط شهيد. وطاولت غارات الاحتلال قرى وبلدات عدة في الجنوب اللبناني، خصوصاً في قضاء صور. كما عاود الاحتلال شنّ غاراته على الضاحية الجنوبية فجر اليوم السبت، مستهدفاً منطقتي الغبيري وبرج البراجنة، بعد إنذار بالإخلاء شملهما، فضلاً عن أحياء حارة حريك والليلكي والحدث وتحويطة الغدير والشياح. أما حزب الله فأعلن في سلسلة بيانات، اليوم السبت ومساء أمس الجمعة، استهداف مواقع وتجمّعات لجيش الاحتلال في الأراضي المحتلة من لبنان، فضلاً عن ثكنات ومستوطنات وقواعد ومواقع إسرائيلية، ومنها خصوصاً "قاعدة تقاطع غولاني غرب بحيرة طبريا، مقرّ قيادة المنطقة الشماليّة في جيش العدوّ الإسرائيلي (قاعدة دادو) شمال مدينة صفد المحتلّة، وقاعدة نفتالي غرب بحيرة طبريّا".
وأفادت وسائل إعلام عبرية، اليوم السبت، بتضرر مبنيين في مستوطنة المطلة ومدينة صفد، في شمال فلسطين المحتلة. وذكرت القناة 12 العبرية، أن عشرة صواريخ أطلقت من لبنان على المطلة، وتم اعتراض بعضها، بينما سقط البعض الآخر في "مناطق مفتوحة". وأشارت القناة إلى تعرض المستوطنات لوابل صواريخ قادمة من لبنان، فضلاً عن تفعيل صفارات الإنذار في منطقة الجليل. بدورها، ذكرت صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية، أنه نتيجة لاعتراض صواريخ أطلقت من لبنان وسقوطها، تضرر أحد المباني في المطلة. ونقلت الصحيفة عن "نجمة داود الحمراء" (الإسعاف الإسرائيلي) قوله إن الأضرار اقتصرت على الممتلكات. كما أكد الإسعاف الإسرائيلي إصابة مبنى بمدينة صفد شمالاً، إثر قصف صاروخي من لبنان.
تدمير ممنهج للبنى التحيتة
وتزامناً مع التصعيد الواسع، واصل الاحتلال تدمير الجسور والبنى التحتية في جنوب لبنان، وذلك بعدما استهدف طريقاً يربط بين أنصار والزرارية، ليل الجمعة ـ السبت، استكمالاً لاستهدافه طرقاً وجسوراً ومعابر جنوب نهر الليطاني وعليه. وشملت الاستهدافات الإسرائيلية تدمير جسر طيرفلسيه، وجسر القاسمية (جسر الكينايات)، وجسر الزرارية، والعبّارة الاحتياطية على نهر الليطاني في منطقة برج رحال، وجسر القنطرة في وادي الحجير. كذلك، استهدفت الغارات طريق الخردلي، وهو شريان رابط بين قضاءي النبطية ومرجعيون. وتدميره أدى إلى صعوبة بالغة في التنقل بين العمق الجنوبي والقطاعين الشرقي والأوسط. وطاولت الغارات طريق دبين – مرجعيون، الذي يربط المنطقة مع الخيام وإبل السقي، مما عزل هذه البلدات الحدودية عن مركز القضاء. ودمّرت الغارات طريق الزرارية – طيرفلسيه، وطرقات العديسة ـ مركبا ومارون الراس ـ عيترون، لتعطيل الحركة.
وتأتي عملية تدمير الجسور، بعد سلسلة إنذارات بالإخلاء وجهها جيش الاحتلال، سواء لسكان جنوب الليطاني أو حتى لسكان جنوب الزهراني، وهي المنطقة الممتدة من نهر الزهراني إلى الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة، شاملة جنوب الليطاني ومساحتها الكلية نحو 1400 كيلومتر مربع، وتشمل نحو 280 قرية وبلدة ومدينة، بلغ عدد السكان فيها، قبل عدوان عام 2024، نحو مليون نسمة. وآخرها دعوته بلديات برج رحال وطورا ومعروب ومعركة لإخلاء المواطنين إلى شمال نهر الزهراني. وخلال إنذاراته المتكررة، دعا جيش الاحتلال السكان لعدم التوجه جنوباً، لكن كثيرين منهم فعلوا ذلك، لتفقد أملاكهم ومنازلهم. غير أن الاعتداءات المتكررة تحوّل جنوبي لبنان، خصوصاً في جنوب الليطاني إلى منطقة غير قابلة للعيش.
في السياق، أفادت الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية، اليوم السبت، بوقوع أضرار جسيمة في محطة الكهرباء التابعة لمؤسسة كهرباء لبنان في السلطانية في قضاء بنت جبيل، التي استهدفها الطيران الإسرائيلي الخميس الماضي. وذكرت الوكالة أن المحطة دُمرّت كلياً وخرجت عن الخدمة، علماً أنها كانت تغذّي أكثر من 60 قرية في قضاء بنت جبيل، وتشمل كامل بلدا القضاء وقراه، إضافة إلى عدد من القرى والبلدات في قضاءي مرجعيون وصور، من بلدة مروحين غرباً وصولاً إلى ميس الجبل شرقاً. وكانت مؤسسة كهرباء لبنان ذكرت بعيد الهجوم الإسرائيلي، الخميس الماضي، أن "الأضرار التي لحقت بالمحطة والمعدات تستوجب كلفة مادية مرتفعة لإعادة التأهيل والإصلاح"، مشيرة في بيان إلى أن "تأمين البدائل وتركيبها وإجراء التصليحات اللازمة يتطلب فترة زمنية ملحوظة، في حال سمحت الظروف الأمنية بذلك". وأضافت أن "هذا الواقع من شأنه زيادة الأعباء المالية على المؤسسة وتأخير إعادة ربط المحطة بشبكة النقل الكهربائية"، مؤكدة أنها "باشرت فوراً بإجراء تقييم أولي واتخاذ الإجراءات اللازمة لتحديد الكلفة المطلوبة".
وعدا محطة السلطانية، استهدف الاحتلال محطات تحويل الكهرباء في مرجعيون والنبطية، مما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي عن عشرات القرى والبلدات. وقصف محطات وخزانات وقود، مما تسبب في أزمة وقود حادة للمستشفيات والمخابز التي تعتمد على المولدات. وطاول التدمير أعمدة التوتر وكابلات. ولم ينجُ قطاع المياه من الاعتداءات الإسرائيلية، التي طاولت مشروع ري القاسمية وراس العين، فتضررت قنوات الري الأساسية التي تغذي الأراضي الزراعية في السهل الساحلي الجنوبي. وتم استهداف محطات الضخ في الوزاني ووادي جيلو، مما أدى إلى انقطاع مياه الشفة عن مساحات واسعة من أقضية صور وبنت جبيل ومرجعيون. وجرى تدمير خزانات المياه المركزية في عدة بلدات حدودية مثل يارون وبليدا.
دمرت إسرائيل محطة السلطانية الكهربائية في بنت جبيل
تدمير منشآت في جنوب الليطاني
وأعلنت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني اليوم السبت في بيان أن "منشآتها لا تزال تعمل على مدار الساعة، وتواصل استثمار مياه نهر الليطاني في توليد الطاقة الكهرومائية، حيث يبلغ معدل الإنتاج الحالي أكثر من 70 ميغاواط، بما يساهم في تغذية الشبكة العامة وتأمين الحد الأدنى من الاستقرار في التغذية الكهربائية للمرافق الحيوية والمواطنين". وهاجم الاحتلال أبراج الإرسال التابعة لشركتي الخليوي "تاتش" و"ألفا" وأجهزة البث، وكابلات الألياف البصرية، مما أدى إلى توقف خدمة الإنترنت في معظم مناطق الجنوب والعديد من مراكز الدولة الرسمية. وتضررت أجزاء من مستشفى مرجعيون الحكومي وخرجت عدة مراكز للدفاع المدني والهيئة الصحية الإسلامية والكشافة عن الخدمة في بلدات المواجهة بعدما أمعن الاحتلال في استهدافها. وتم استهداف السرايا الحكومية في بعض الأقضية ومباني البلديات، مما شلّ القدرة على إدارة الأزمات محلياً. واستُهدفت المستودعات والمصانع، فضلاً عن استخدام الفوسفور الأبيض والقذائف الحارقة، مما أدى إلى تدمير العديد من البساتين، وحصول تلوث في التربة في المناطق الحدودية، في ظل اعتماد الاحتلال على سياسة تدمير القرى.
