عربي
يرى أستاذ الفلسفة والباحث الماليزي سيد محمد نقيب العطاس أن ما يعيشه العالم الإسلامي من مشاكل كبرى لا يمكن توصيفها ظاهرياً بالتخلف التقني والضعف السياسي أو العسكري، إنما هي قبل ذلك مفارقة عميقة لمفاهيم مكرسة في العقول، تكشف عن المسافة بين حاضر المسلمين المتردي، وما يجب أن يكونوا عليه، فهم يفكرون بأدوات ومصطلحات مستعارة من منظومات فلسفية لا تنتمي إلى رؤيتهم للعالم، ثم يحاولون بعد ذلك معالجة ما يعترض حيواتهم من كوارث بهذه الأدوات نفسها.
العطاس الذي رحل في الثامن من الشهر الجاري، عاش في إقليم بعيد عن المنطقة العربية، وقريب منها لجهة تنفسه من ذات الفضاء المعرفي الديني، ولأصوله التي تمتدّ إلى حضرموت في اليمن، وهو يعدّ واحداً من الشخصيات البارزة التي لا يمكن تجاوزها حين يتم البحث في علاقة الدين الإسلامي بمفاهيم العصر، مثل الحداثة والعلمانية وغيرها، وعلى أرضية البحث عن إجابات عن أسئلة ملحة طرحها المفكرون الإسلاميون شرقاً وغرباً، حيث كان منشغلاً في الوقت ذاته بإعادة قراءة المفاهيم الملحة مثل الدين، العلم، الإنسان، الجامعة، العدل، الحرية، الأدب، لا لاستغراق فائض عن الحاجة ينحو إلى أسلمة الفكر بل لأن تحري أسباب تراجع المسلمين لا بد أن يمر بتحرير هذه المفاهيم من أجل الانتماء إلى العصر وتوسيع المساهمة الفكرية التي يمكن أن يقدموها للحضارة الإنسانية راهناً.
جاء مشروعه البحثي الأكثر شهرة تحت عنوان "أسلمة المعرفة"
حاز العطاس المولود في بوغور بإندونيسيا عام 1931، درجة الماجستير من جامعة ماكغيل الكندية، ونال شهادة الدكتوراه لاحقاً في معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية بلندن، حيث ناقش في الأطروحة موضوع "التصوف عند حمزة الفنصوري". وعُيّن مدرساً ثم عميداً بكلية الآداب في جامعة الملايو بكوالالمبور، وساهم أيضاً في إنشاء الجامعة الوطنية وإقامة معهد الدراسات الملايوية سنة 1973، وتأسيس المعهد الدولي للفكر والحضارة الإسلامية (ISTAC) في العاصمة الماليزية سنة 1987.
تركز بحثه الفكري على علاقة الإسلام بالعلم، في زمن لا يمكن تجاهل تطوراته، التي تقوم على سيطرته على كل شيء، لكنه لم يرَ أن العلم الذي يؤثر على كل مناحي الحياة كان محايداً، بل يرتبط بالتصورات العميقة عن الإنسان والوجود والأخلاق، وأن المفاهيم التي فرضت باسم العلمانية انطوت في جزء كبير منها على رؤية الإنسان لواقعه ومستقبله، دون أن تساعده على بناء علاقة موازية مع الدين، وبما يضمن التوازن بين الحياة اليومية والمعتقد، ولهذا يصل الإنسان إلى حالة الاغتراب.
وعلى أرضية هذا النقاش جاء مشروعه الأكثر شهرة الذي يحمل عنوان "أسلمة المعرفة"، إذ رأى أنه مع تبني الكثير من فروع المعرفة الحديثة، خاصة في الإنسانيات والعلوم الاجتماعية، افتراضات فلسفية خاصة بالحداثة الغربية، فإن المطلوب بالنسبة للمسلمين التواقين للعيش في حالة توازن، ليس رفض المعرفة الحديثة بالجملة، وإنما تنقية مفاهيمها من العناصر التي تصادم الرؤية الإسلامية، ثم إعادة بنائها ضمن نسق معرفي وأخلاقي مختلف.
كما يتوقف الباحثون عند رؤيته لمفهوم التأديب الذي يتصل بالتربية الإسلامية، حيث رأى أنها يجب ألا تختصر بكلمتي التعليم أو التربية، لأن مضمونها أوسع من نقل المعلومات أو تنمية القدرات، وهو أن يتعلم الإنسان وضع الأشياء في مواضعها الصحيحة: أن يعرف مراتب العلم، وحدود نفسه، وعلاقته بالله جل وعلا، وصولاً إلى رؤيته للعالم، مروراً بعلاقته مع المجتمع وأفراده. وغاية التعليم كما يقول: ليست إنتاج "عامل ماهر" فقط، وإنما تكوين الإنسان الصالح أو الإنسان المتأدب بالمعنى العقلي والروحي والأخلاقي، وقد صار هذا المفهوم من أهم ما ارتبط باسمه في فلسفة التعليم الإسلامي.
إلى جانب هذه الانشغالات، كان للعطاس مساهمات في دراسة التراث الملايوي ولا سيما التجارب الصوفية فيه، وكذلك تاريخ دخول الإسلام إلى منطقة شرق آسيا، وغيرها من المسائل التي تندرج ضمن محاولته اقتراح أسلوب حياة حضارية كبديل متكامل، يعمل لإنتاج المعرفة، دون الخوض في معارك عنوانها الشعارات، بل التركيز على إعادة كتابة مفاهيم أساسية تبدأ من اللغة وتنتهي إلى بناء الإنسان.
