عيد الفطر في العراق... طقوس خجولة يشوبها الخوف والغلاء
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
يحتفي العراقيون بعيد الفطر وسط استعدادات محكومة بالحذر الأمني والضغوط المعيشية، ما دفع معظمهم إلى التخلي عن الهدايا والطقوس، والاكتفاء بالأولويات. بدت استعدادات العراقيين لعيد الفطر مختلفة هذا العام في كثير من المحافظات والمدن العراقية، بعد أن كانت الأعوام السابقة تشهد حركة تسوّق صاخبة قبل حلول العيد بأيامٍ وحتى أسابيع. أمّا اليوم فيسود شعور الترقب والحذر داخل الأسواق والمنازل على حدّ سواء، وسط ظروف أمنية مضطربة منذ بدء العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، وما رافقه من تداعياتٍ على العراق، ومن ضغوطٍ نفسية واقتصادية تُرهق العائلات، ما انعكس على هذه المناسبة التي طالما ارتبطت بالفرح والاحتفال. وفي أسواق بغداد الشعبية، لا تزال محال بيع الملابس والأحذية تعرض بضائعها المخصصة للعيد، لكن حركة الشراء تبدو أضعف ممّا كانت عليه في أعوامٍ سابقة. ويقول باعة لـ"العربي الجديد" إنّ كثيراً من العائلات باتت تشتري بالحد الأدنى، فيما يكتفي آخرون بالسؤال عن الأسعار قبل المغادرة، ويعزو بعضهم ذلك إلى الغلاء المتصاعد، والقلق من التطورات الأمنية التي جعلت كثيراً من العائلات تفكر في الأولويات الأساسية، بدلاً من مستلزمات العيد. داخل البيوت العراقية، تعكس الأحاديث اليومية هذا التحول في المزاج العام نتيجة ما تشهده البلاد، فالعيد الذي كان مناسبة للتوسع في المشتريات والزيارات والرحلات العائلية، صار بالنسبة لكثيرين مناسبة يحاولون الاحتفاء بها بأقلّ قدر من التكاليف والمخاطر. تقول نضال علي (40 عاماً)، وهي معلمة في إحدى مدارس العاصمة، إنّ استعدادات أسرتها للعيد جاءت مختلفة تماماً عمّا اعتادته في الأعوام الماضية. وتضيف لـ"العربي الجديد": "كنّا في كل عيد نشتري ملابس جديدة، ونحضّر الحلوى، ونحرص على الزيارات العائلية، لكن هذا العام اكتفينا بشراء ملابس للأطفال فقط، حتى هذه لم تكن سهلة بسبب الأسعار المرتفعة". وتتابع: "اضطرّت العائلة إلى تقليص كثير من المشتريات المعتادة، فالأولوية باتت للاحتياجات الأساسية وليست للكماليات. غير أنّ العيد يبقى ماثلاً في نفوس الأطفال، لذلك حاولنا قدر الإمكان أن يشعروا بالفرح، ولو بقدر بسيط". هذا الحدّ الأدنى من الاستعداد لم يكن متاحاً لجميع العائلات، كما تروي أم عبد الله (37 عاماً)، وهي ربّة منزل تعيش في إحدى مناطق بغداد الشعبية. وتقول لـ"العربي الجديد" إنّها لم تتمكن هذا العام من شراء ملابس جديدة للأطفال. وتتابع بحسرة: "كنتُ أعد أطفالي دائماً بملابس جديدة في العيد، لكن هذه المرة لم أستطع، فالأسعار مرتفعة جداً، والظروف غير مستقرة، كما أنّ القلق الأمني جعلنا أكثر حذراً في الإنفاق، بتنا نفضّل الاحتفاظ بما لدينا من مال، تحسّباً لأي طارئ. وفي مثل هذه الظروف لا يفكر الناس بالترف، فالأهم أن تمرّ هذه الأيام بسلام وأن ننعم بالأمان". يبدو أن هذا الشعور لا يقتصر على فئة اجتماعية بعينها، بل يمتد إلى شرائح مختلفة من المجتمع. وتقول سهاد الزبيدي (44 عاماً) وهي موظفة في إحدى المؤسسات التعليمية، إنّ الاستعدادات للعيد هذا العام "محكومة بالحذر، سواء من الناحية الاقتصادية أو الأمنية". وتوضح لـ"العربي الجديد" أنّ "الناس عادة تنتظر العيد من أجل الترفيه وتغيير الأجواء، لكن هذا العام الجميع يتحدث عن الأخبار والتطورات الأمنية، وحتى أثناء التبضع تجد الأهالي يسألون إن كانت ستبقى الأوضاع مستقرة، وهل سيكون العيد هادئاً؟". وتشير إلى أنّ عائلتها حاولت الحفاظ على بعض تقاليد عيد الفطر رغم الظروف الأمنية، مثل إعداد بعض الحلويات المنزلية، وخصوصاً الكليجة التقليدية، وانتظار الأقارب، إلا أنّ كثيراً من الأنشطة المعتادة غير ممكنة هذه المرة. ومن بين أبرز التغيرات التي تحدثت عنها العائلات هذا العام، تراجع فكرة الخروج إلى المتنزّهات والحدائق العامة، وهو تقليد شائع لدى كثير من الأسر العراقية خلال أيام العيد. ففي السنوات الماضية كانت هذه الأماكن تمتلئ بالعائلات والأطفال، لكن كثيرين يقولون إنّهم يفضلون البقاء في المنازل هذه المرة. ويقول سالم عبد الله (33 عاماً) وهو سائق سيارة أجرة من أهالي بغداد، إنّ أطفاله اعتادوا في كل عيد الذهاب إلى الحدائق والأماكن الترفيهية، لكنّه أخبرهم هذا العام بأنّ الاحتفال بالعيد سيكون في المنزل حصراً هذه السنة. ويضيف لـ"العربي الجديد": "كان الأطفال متحمسين مثل العادة، لكنّنا شرحنا لهم أن الظروف مختلفة هذا العام، ما أثار خيبتهم، لكنّنا نرى أن السلامة أهمّ من أي نشاط آخر. الأطفال يريدون اللعب والخروج، لكننا نفكر بالأمان قبل كلّ شيء". وفي ظلّ هذه الظروف العصيبة، تحاول عائلات كثيرة إيجاد بدائل بسيطة للحفاظ على أجواء عيد الفطر داخل المنازل، إن لناحية احتفال بعض الأسر بالعيد، من خلال جمع أفراد العائلة في البيت، أو إعداد الطعام والحلوى بشكل جماعي، فيما يركز آخرون على طقوس بسيطة مثل توزيع العيديات على الأطفال، لكن هذه الطقوس باتت أكثر تواضعاً مقارنة بالماضي، فالعائلات التي كانت تنفق بسخاء على الهدايا والملابس والحلويات، باتت اليوم تحسب نفقاتها بدقة أكبر. ويقول مثنى المعيني، وهو ناشط مدني يعمل في مجال دعم العائلات محدودة الدخل، إنّ "ما نشهده هذه الأيام يعكس الضغوط المعيشية التي تواجهها أسر عراقية عدّة، وإنّ عائلات كثيرة اضطرّت إلى تقليص إنفاقها حتى في المناسبات التي كانت ترتبط تقليديّاً بالفرح". ويضيف لـ"العربي الجديد": "هناك شعور عام بأنّ الأولويات تغيّرت عن السابق، كان الناس يخططون للعيد من ناحية الملابس والهدايا والزيارات، أمّا اليوم فيفكّر كثيرون في الاستقرار والأمان"، مؤكداً أنّ "العامل النفسي يلعب دوراً مهماً ينعكس على أجواء العيد هذا العام، فالتوتر المرتبط بالتطورات الأمنية جعل كثيراً من العائلات أقل ميلاً للاحتفال أو الخروج". ورغم هذه التحديات، يحاول العراقيون الحفاظ على الحد الأدنى من مظاهر عيد الفطر وطقوسه من أجل الأطفال، كما أنّه يبقى بالنسبة إلى كثير من العائلات مناسبة معنوية مهمة، لكن المؤكد أن هذه المناسبة تمرّ اليوم في ظل ظروف استثنائية، إذ تختلط الرغبة في الفرح بالحذر من المجهول، في بلدٍ اعتاد سكانه التكيّف مع الأزمات والتحولات الصعبة، وسط آمالٍ في أن تحمل الأعوام المقبلة أعياداً أكثر هدوءاً واستقراراً.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية