ترجمة وتحرير “يمن مونيتور”
تردد صدى الانفجار بقوة شديدة فوق “دبي مارينا”، لدرجة جعلت نوافذ ناطحات السحاب المحيطة والفنادق الفاخرة تهتز بشكل مرعب.
“بدى الصوت قريباً جداً، هل تعتقد أن صاروخاً قد أصاب شيئاً ما؟”، هكذا سأل شاب صديقه وهما يرتشفان القهوة. وقبل لحظات فقط، انطلقت صافرات إنذار حادة من جميع الهواتف المحمولة في المنطقة؛ وهو “الوضع الطبيعي الجديد” لسكان دول الخليج، للتحذير من هجمات صاروخية وطائرات مسيرة في المنطقة، بينما لم يكد الزبائن يرفعون أنظارهم.
جاء تنبيه آخر بعد لحظات؛ أفاد بأن أنظمة الدفاع الجوي والطائرات المقاتلة التابعة لدولة الإمارات العربية المتحدة نجحت في اعتراض “صواريخ باليستية… وطائرات مسيرة وذخائر متسكعة”، وأن الوضع في دبي آمن – حتى الآن. ووثقت لقطات من الليلة السابقة هذه الأنظمة وهي تعمل، حيث أسقطت طائرة مسيرة لتتحول إلى كرة نارية فوق مركز دبي للمؤتمرات، بينما تساقط الحطام كالألعاب النارية.
وعلى مدار 20 يوماً، منذ أن بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل قصفهما لإيران، واجهت دول الخليج وابلاً لا يتوقف من آلاف الطائرات المسيرة والصواريخ الإيرانية التي استهدفت مطاراتها، وفنادقها، وموانئها، وقواعدها العسكرية، والمناطق المالية، ومراكز البيانات، والمجمعات السكنية. ورغم أن ذلك مثل هجوماً لا يمكن تصوره على سيادتها وأمنها واقتصادها – ومزق في دبي وهم الأمان والرفاهية الضروري اقتصادياً – إلا أن دول الخليج لم تستجب حتى الآن إلا بشكل دفاعي، حيث أنفقت المليارات على الصواريخ الاعتراضية التي تمكنت من إسقاط نحو 90% من المقذوفات الباليستية الإيرانية.
وظلت الأولوية القصوى لدى مجلس التعاون الخليجي – التكتل السياسي لدول الخليج – متمثلة في تجنب الانجرار إلى حرب ليست حربهم، وحاولوا بجهد جهيد إيقافها.
لكن الأيام القليلة الماضية اتسمت بخوف متزايد من أن حرب الشرق الأوسط تدخل حدوداً جديدة وأكثر خطورة؛ حدوداً تشكل تهديداً وجودياً لدول الخليج، وسط ضغوط متزايدة عليها للرد. فبعد أن هاجمت إسرائيل حقل “بارس الجنوبي” للغاز في إيران، وهو أول هجوم مستهدف على إنتاج الوقود الأحفوري منذ بدء الحرب، توعد النظام الإيراني بإظهار “انعدام ضبط النفس” في الرد بضرب البنية التحتية للطاقة في الخليج، باعتباره الهدف الأقرب والأسهل.
وقد وفت إيران بوعيدها؛ ففي قطر، توقف ما يقرب من خمس قدرة تصدير الغاز الطبيعي المسال بعد ضربة استهدفت مجمع “راس لفان” للغاز. واضطرت السلطات في أبوظبي بدولة الإمارات إلى إغلاق العمليات في منشأة “حبشان” للغاز وحقل “باب”، واصفة الهجمات بأنها “تصعيد خطير”. وقالت مؤسسة البترول الكويتية إن مصفاة “ميناء الأحمدي” تعرضت لهجمات متعددة بطائرات مسيرة في وقت مبكر من يوم الجمعة، فيما أعلنت المملكة العربية السعودية عن استهداف اثنتين من مصافي النفط التابعة لها.
وفي غضون ذلك، واصلت إيران حصار مضيق هرمز، الذي يتم عبره تصدير معظم النفط والغاز المنتج في الخليج إلى بقية العالم.
وفي هذا السياق، قال علي باكير، الأستاذ المساعد في الشؤون الدولية والأمن والدفاع بجامعة قطر: “من وجهة نظر مجلس التعاون الخليجي، كشفت هذه الحرب عن حقيقة مثيرة للقلق العميق: وهي أن الأطراف الثلاثة المتورطة أصبحت غير عقلانية ومنفصلة عن الواقع بشكل متزايد، حيث يسعى كل طرف إلى تحقيق أجندات تهدد بجر المنطقة والعالم إلى مكان مظلم للغاية”.
ورغم صغر مساحتها، فإن دول الخليج النفطية غنية جداً ومدججة بالسلاح بأحدث الأسلحة والطائرات التي اشترتها من الولايات المتحدة. وباعتبارها تجمعاً لست دول (السعودية، وقطر، والإمارات، والكويت، والبحرين، وعمان)، تمتلك دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة نحو 2000 طائرة عسكرية من طرازي F-15 وF-18، في حين تصطف قوى غربية أخرى لبيعها المزيد من الأسلحة. ومع ذلك، فإن السعودية فقط، وبدرجة أقل الإمارات، تمتلكان خبرة في الحروب الجوية واسعة النطاق.
وأضاف باكير أن إيران “تلعب بالنار” مع تصعيد هجماتها على البنية التحتية للطاقة في الخليج، مؤكداً أن “الضغوط ستتصاعد على دول مجلس التعاون الخليجي للانتقال من الوضع الدفاعي إلى الهجومي، خاصة مع انخفاض مخزونات الصواريخ الاعتراضية”.
ومنذ أن بدأ دونالد ترامب قصف إيران، تمارس واشنطن ضغوطاً على دول مجلس التعاون للانضمام إلى “جانبه”. ومع ذلك، وكما أكد باكير وآخرون، فإن العواقب طويلة المدى للتدخل العسكري قد تظل باهظة الثمن لدرجة لا يمكن لدول الخليج تبريرها، وتخاطر بأن تصبح فخاً جيوسياسياً خطيراً.
ويرى المحللون أن التدخل لن يضفي الشرعية على حرب عارضها مجلس التعاون الخليجي بشدة فحسب، بل إن عدم الثقة في ترامب بات يتجذر الآن بعمق بين القيادات الخليجية، وهناك خوف ملموس من أن الولايات المتحدة قد تستخدم قيام دول الخليج بالرد على إيران كذريعة للانسحاب وإعلان النصر. وقال باكير: “ستُترك دول مجلس التعاون الخليجي في حرب دموية ومفتوحة مع إيران من شأنها أن تترك ندوباً لأجيال”.
وكانت السعودية من بين الأكثر حزماً في ردها على إيران؛ حيث قال وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان يوم الخميس، إن المملكة “تحتفظ بالحق في اتخاذ إجراءات عسكرية إذا لزم الأمر”.
ومع ذلك، اعتبر المحللون هذه التصريحات بمثابة جهد من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان – الذي لا يزال يشعر بالاستياء بعد هجمات الحوثيين في اليمن – لإظهار القوة داخلياً. وقلة من الناس يعتقدون أن السعودية ستتحرك بمفردها للانضمام إلى الحرب بسبب المخاطر التي تهددها واحتمالية تفجير الصراع على نطاق أوسع، في حين يبدو التوصل لاتفاق جماعي داخل مجلس التعاون بشأن أي تدخل مشترك أمراً بعيد المنال.
كما لا تزال دول الخليج مرتابة من أن الولايات المتحدة تعمل كوكيل لإسرائيل، ومحاولاتها المتصورة لفرض الهيمنة على الشرق الأوسط. وفي مقال له في مجلة “إيكونوميست” هذا الأسبوع، قال الوزير العماني بدر البوسعيدي إن الولايات المتحدة “فقدت السيطرة على سياستها الخارجية”. كما وصف أحد القادة الخليجيين ترامب في جلسة خاصة بأنه “تابع” لبنيامين نتنياهو.
وقال فواز جرجس، أستاذ العلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد: “أشك كثيراً في أن أي دولة خليجية عربية ستنضم يوماً إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية، لأنهم، كما قالوا جميعاً مراراً وتكراراً: هذه ليست حربنا”، مضيفاً: “إنهم يعتقدون أنها ليست حتى حرب أمريكا”.
ومع ذلك، وكما أكد جرجس، وجد الخليج نفسه “في وضع مستحيل، بين المطرقة والسندان”، حيث يوازن بين الحاجة للدفاع عن سيادته وحماية أمنه الإقليمي في المستقبل.
والواقع الذي يواجه القادة الخليجيين الآن هو أن النظام الإيراني لا يزال راسخاً، وأن عمليات الاغتيال التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل وطالت المرشد الأعلى علي حسيني خامنئي، ورئيس المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، ووزير الاستخبارات إسماعيل خطيب، بالإضافة إلى العشرات من مسؤولي الدفاع والأمن الآخرين، فشلت جميعاً حتى الآن في إحداث الاستسلام.
وقال جرجس: “إيران تجاوزت كل الخطوط الحمراء، لكن على دول الخليج العربية التفكير في المستقبل وكيف قد تبدو إيران بعد الحرب. إن إيران الجريحة والمستشيطة غضباً والتي تنزف قد تهدد حقاً أمن الخليج ومصالحه الاقتصادية في المستقبل المنظور، والهجوم العسكري لن يؤدي إلا إلى إثارة عدائهم بشكل أكبر”.
كما أعرب عن شكه في احتمالية انضمام دول الخليج إلى دعوة ترامب لإرسال سفن حربية لتأمين مضيق هرمز، الذي يصب في مصلحة إيران جغرافياً ويصعب تأمينه بشكل معروف. وقال جرجس: “أشك في ذلك كثيراً، لأنهم لا يملكون الموارد البحرية، وإرسال القوات البحرية إلى مضيق هرمز هو فخ للانخراط في الحرب”.
ولكن مع تضاؤل الآمال في حل دبلوماسي وشيك، حدث أيضاً تصلب في آراء قادة ومفكرين خليجيين تجاه إيران، وضغط متزايد لمواصلة الولايات المتحدة عملية تدمير شامل للقدرات العسكرية الإيرانية.
وقال مهند سلوم، الأستاذ المساعد في السياسة الدولية والأمن بمعهد الدوحة للدراسات العليا والدبلوماسي القطري السابق: “تدرك دول مجلس التعاون الخليجي أن هذا النظام أصبح الآن خطيراً للغاية، بل ومختل التوازن – نحن لا نعرف حتى من يدير البلاد فعلياً”.
وأضاف: “إن قيام الولايات المتحدة باجتثاث النظام الإيراني نهائياً هو الخيار الوحيد المتاح لنا الآن. وإلا فإنه في كل مرة تتعرض فيها إيران للضغط، ستعرف أنها تستطيع ضرب الخليج، وتعرف أنها تستطيع محاصرة مضيق هرمز، وسيكون ذلك فعالاً. هذا يمثل تهديداً وجودياً لمجلس التعاون الخليجي”.
واتفق عبد الخالق عبد الله، الأستاذ المشارك في العلوم السياسية بجامعة الإمارات العربية المتحدة، مع طرح سلوم قائلاً: “أمريكا هي من أرادت هذا… لذا فلتنهِ الأمر”.
The post “ليست حربنا”: دول الخليج تدرس خياراتها مع تصاعد التهديد الوجودي appeared first on يمن مونيتور.