مدحت نافع: مصر تبيع أراضي الشركات والمشترون "تجّار خردة"
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
تسبب قرار الحكومة المصرية المفاجئ بإلغاء وزارة قطاع الأعمال في التعديل الوزاري الأخير، بعد 40 عاماً من تأسيسها بهدف إنقاذ الشركات العامة من الانهيار والحفاظ على دورها في تشغيل ملايين المصريين، في صدمة لدى خبراء الاقتصاد والأحزاب وقوى سياسية ترى في اختفاء الوزارة التي تدير مئات الشركات وتمتلك 28% من الثروة الإنتاجية بالدولة، مع تحويل أصول 20 شركة منها للصندوق السيادي المصري بمثابة إشعار ببيع الأصول العامة بأبخس الأسعار، والتخلص من كنز وطني يخص الأجيال القادمة. دفعت المخاوف "العربي الجديد" إلى إجراء حوار مع الدكتور مدحت نافع أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة والرئيس الأسبق للشركة القابضة للصناعات المعدنية ومستشار رئيس الوزراء للاقتصاد الكلي، لشرح مسار هذه العملية. وهنا نص الحوار * لماذا اتخذ القرار المفاجئ بإلغاء وزارة قطاع الأعمال في مصر؟ منذ سنوات طويلة كنت أرى أن وجود الوزارة لم يعد ذي جدوى. فهي ظلت قائمة شكلياً، لكنها لم تخدم القطاع ولا الشركات التابعة لها، بل تحوّلت إلى عبء مالي وتشغيلي على الدولة. في أفضل الأحوال، كانت تعمل كجهة قابضة تدير عدداً من القوابض، وكل فترة كانت تفقد شركة أو أخرى لصالح وزارات أو كيانات أخرى؛ فالقابضة للنقل ذهبت إلى النقل البحري، والقابضة للتأمين انتقلت إلى الصندوق السيادي، ولم يبقَ للوزارة سوى ستّ قابضات، ومع ذلك، لم يكن واضحاً ما هو دورها الحقيقي وفق فلسفة قانون 203 الذي أنشأها. فالهدف من القانون أصلاً لم يكن إنشاء وزارة، بل تحويل الهيئات إلى شركات تعمل وفق قانون الشركات المساهمة 159 لضمان المنافسة والشفافية، بالتالي كان من الطبيعي أن تختفي الوزارة لا أن تبقى كدرع أو كيان سياسي مهترئ. *كيف ستدير الدولة أموالها المستثمرة في هذه الشركات؟ هناك سيناريو قديم كنت أطرحه، وهو ردّ كل شركة إلى الوزارة المختصة بنشاطها: الصناعات المعدنية تعود إلى الصناعة أو البترول، السياحة إلى وزارة السياحة، وهكذا، لكن هذا يفترض أننا بحاجة لتبعية وزارية. في رأيي الأفضل أن تدخل الشركات مرحلة انتقالية للتحول إلى القانون 159 بدلاً من القانون 203، عندها ستدار من خلال مجالس إدارات وجمعيات عمومية، دون الحاجة لوزارة، ويمكن لنائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية حسين عيسى أن يترأس الجمعيات العمومية للقابضات الست مؤقتاً، إلى أن تنتقل الشركات إلى الإطار القانوني الجديد، ومع وجود "وحدة إدارة المال العام" التابعة لمجلس الوزراء، أصبح لدينا كيان قادر على تحديد مصير الشركات لنحدد: هل تذهب إلى الصندوق السيادي؟ هل تُطرح في البورصة؟ هل تدخل في شراكات؟ هذه الوحدة أشبه بمدير للمحفظة الاستثمارية، وهي تتولى المهمة التي فشلت وزارة التخطيط في تحقيقها سابقاً، أما الصندوق السيادي فسيعود دوره إلى إدارة الأصول عند نقلها إليه، خصوصاً أنه حصل في السابق على أصول غير نشطة تسببت في نقص تدفقاته. * كم تبلغ قيمة هذه الشركات اليوم؟ الوزارة كانت تشرف على نحو 561 شركة مملوكة للدولة ملكية كاملة أو جزئية، لكن هذا الرقم تجميعي؛ إذا نظرت داخل الشركات فلن تجد إنتاجية حقيقية. رأس المال السوقي لها منخفض جداً، وعدد كبير منها فقد قيمته الوظيفية تماماً، ولم تتبق بها عمالة فنية بل آلاف العمال من الإداريين والماليين غير القادرين على التشغيل والإنتاج. *هل كان تفكيك الوزارة أمراً متوقعاً؟ نعم الوزارة لعبت أدواراً لم تكن من اختصاصها، وتدخلت في العمليات اليومية للشركات، حتى القابضات نفسها لم يكن من المفترض أن تتدخل، هذا التدخل جاء نتيجة سوء آليات اختيار القيادات، وضعف المعروض من الكفاءات، والرواتب غير التنافسية، بما جعل الشركات تعمل بمنطق "الهيئة العامة" لا بمنطق "الشركة". *ماذا سيحدث للشركات بعد التحول للقانون 159؟ يفترض أن تنتخب الشركات قياداتها وفق إمكاناتها الحقيقية، وتدير محفظتها باستقلالية وتكون هناك جمعية عمومية شفافة، مع تمثيل للعمال، وإن كان القانون 159 أكثر تقييداً في ذلك من القانون 203، لكن الأهم أن الشركات ستُدار كشركات لا كهيئات تحتاج "تعويماً" وإنقاذاً مالياً من الدولة كل فترة، في النظام القديم كان من الطبيعي تدخل الوزارة لإنقاذ شركات خاسرة فقط للحفاظ على حجم محفظتها أو نفوذ بعض القيادات، الذين سعوا خلال السنوات الماضية إلى الحفاظ على مقاعدهم بالوزارة والشركات، وهذا أدى إلى تشويه القطاع العام والسوق. *ما مصير الشركات المتعثرة؟ في كل شركة قابضة توجد ما أطلق عليها "جوهرة التاج" وهي الشركة الناجحة ولديها فوائض مالية تمول بها الشركات الأخرى، الآن يجب التعامل مع الجواهر هذه بشكل مستقل، والتعامل مع المتعثرة بمنطق اقتصادي لا عاطفي. التصفية ليست حلاً؛ وقد اعترضت عندما أدرت "القابضة الهندسية" على تصفية الحديد والصلب بحلوان، مع ذلك عندي قناعة بأن الشركات العامة ليست أثراً تاريخياً كي نحافظ عليه مهما كان حاله، باعتباره إرثاً تاريخياً فالكثير منها متوقف عن العمل، مثقل بالديون، ومقيّد برقابة متضخمة تُعطّل القرارات، نحتاج لمجالس إدارات وجمعيات عمومية قوية تملك سلطة اتخاذ القرار دون ضجيج إعلامي أو رقابة تشل الحركة. *هل الهدف من تفكيك الوزارة بيع الشركات العامة على عجل؟ إطلاقاً، والسبب بسيط: لا يوجد مشترون أصلاً. الناس يتصورون وجود طوابير لشراء الشركات، وهذا وهم، فأغلب الشركات لم تعد لديها مصانع فعالة أو معدات أو عمالة فنية. ما تبقى هو "الأرض"، ميراث من عهد الرئيس جمال عبد الناصر حين كان يمنح المصانع المنشأة أو التي يجري تأميمها مساحات شاسعة، بالتالي حين تبيع الدولة أصولها، فهي تبيع أرضاً لا شركة، فمن يقبل بالشراء؟ ستجد أنهم تجار الخردة لأن المستثمر الصناعي الحقيقي لن يقترب منها. من واقع تجربتي بالقابضة الهندسية، لم نجد سوى ثلاث أو أربع شركات حقيقية يمكن الاستثمار فيها. *ماذا عن التزام الحكومة بوثيقة ملكية الدولة المتفق مع صندوق النقد على أن تكون بوابة خصخصة القطاع العام؟ الوثيقة وضعت تصنيفاً واضحاً، شركات ستبقى الدولة فيها، وشركات تقلل حصتها فيها، وأخرى ستخرج منها، لكن النسخة الجديدة أقل شفافية من السابقة، نحتاج تفاصيل واضحة حتى يعرف المستثمر والشارع مصير كل شركة على حدة. وستتولى "وحدة إدارة المال العام" بالتنسيق مع الصندوق السيادي والجهات المعنية تحديد موعد الطروحات. ويجب التمييز بين الإدارة التشغيلية للشركات وبين إدارة محفظة أصول الدولة، فالشركات يجب أن تعمل وتنتج وتصدر وتتطور، أما الأصول المالية للدولة فيجب أن تُدار بشكل احترافي كأي محفظة استثمارية كبيرة، بعيداً عن مركزية وزارة كانت تتصرف كما لو أنها "حكومة داخل الحكومة". *هل يلعب الصندوق السيادي دوراً حالياً؟ ليس الآن. بعدما انتقلت إليه القابضة للتأمين، أصبحت إدارة المحفظة بيد الوحدة الجديدة التابعة لرئاسة الجمهورية. هذه الوحدة ستقرر الطرح والتصفية والاستمرار، وحتى الشركات التي لن تُطرح يجب أن تستمر في العمل وتمول نفسها، أما التصفية فهي آخر الحلول، لأنها لم تنجح تاريخياً. *كيف نضمن الشفافية في الإدارة والبيع؟ وجود إدارة المال العام كوحدة حكومية يضمن رقابة واضحة. أتمنى تعزيز دور الجهاز المركزي للمحاسبات ليكون الجهة الأساسية للرقابة المالية، فالرقابة الإدارية دورها إداري، لكن الرقابة المالية يجب أن تكون مركزية، واضحة، وملزمة. أما الدور الأكبر في النهاية فهو للبرلمان الذي نعول عليه في مراقبة التصرف في المال العام بكفاءة. * هل قرار تفكيك قطاع الأعمال وبيع الشركات مرتبط بأزمة سيولة؟ إطلاقاً، البيع بطيء وغير مضمون والقيمة الحقيقية ليست في البيع بل في الكفاءة، فالأمر يتطلب تحسين الإنتاج، زيادة الصادرات، جذب عملة أجنبية، بناء إدارة محترفة، والمشكلة أن القطاع تعامل لعقود مع نمط من المستثمرين الذين يعملون بمنطق "اضرب واجرِ" وهدف بعضهم الحصول على أرض الشركات وبيع المصانع كخردة، وغياب الكفاءة الرقابية والإدارية شجع هذا. إلغاء الوزارة خطوة ضرورية لإيقاف هدر أرباح الشركات الناجحة على كيانات خاسرة تُبقي بعض المسؤولين في مواقعهم.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية