كيف يؤدي غياب الغاز القطري عن الأسواق إلى تداعيات اقتصادية عالمية؟
عربي
منذ ساعة
مشاركة
توضح الأضرار التي لحقت بمجمع رأس لفان القطري، أكبر مجمع لإنتاج الغاز الطبيعي المسال في العالم، والمدة الزمنية المطلوبة لإصلاحها، الخسارة الفادحة لأسواق الطاقة في العالم بأغنيائه وفقرائه. ومع كل أسبوع يمر على توقف الإنتاج من رأس لفان، يخسر العالم من الطاقة ما يكفي لتشغيل منازل مدينة سيدني لمدة عام كامل. وأُغلق مصنع رأس لفان في قطر في وقت سابق من هذا الشهر بعد هجوم بطائرة مسيّرة إيرانية، وهو أول انقطاع للإمدادات خلال ثلاثة عقود من التشغيل. والآن، وبعد ضربات إضافية، جاءت ردًا على هجوم إسرائيلي على حقل بارس الجنوبي الضخم يوم الأربعاء، تعرّض المجمع الأوسع لأضرار وصفتها قطر بأنها "واسعة"، ما قد يؤخر بشكل كبير أي عودة إلى الوضع الطبيعي. ولا يزال حجم الدمار ونطاق أعمال الإصلاح اللازمة لاستئناف التشغيل غير واضحين. لكن كل يوم يتوقف فيه المصنع عن العمل يزيد الضغوط على اقتصادات العالم. وبالنسبة للدول الناشئة، التي تُعد أسواق نمو رئيسية للغاز الطبيعي المسال، فإن أزمة غاز ثانية خلال أربع سنوات تُدمّر بالفعل الطلب الصناعي، وربما بشكل لا يمكن إصلاحه. ثلاثة أسابيع من الحرب في الشرق الأوسط قلبت سلسلة إمدادات الطاقة بأكملها رأسًا على عقب. ومع شبه إغلاق مضيق هرمز، ارتفعت أسعار البنزين ووقود الطائرات بشكل حاد، فيما أدت ندرة غاز الطهي إلى اشتباكات في الهند، وأصبح المزارعون قلقين بشأن الديزل والأسمدة. لكن مع غياب شبه كامل للطاقات الفائضة، وعدم وجود احتياطيات استراتيجية، وغياب بدائل سهلة، قد يكون الغاز الطبيعي المسال إحدى أكثر نقاط الألم حدة في أزمة آخذة في التوسع. ويقول تقرير لوكالة بلومبيرغ نشرته اليوم الخميس إنه في ظل استمرار هذا الوضع، قد يكون الحل الوحيد هو أن يستخدم العالم كميات أقل من الغاز، وهو ما يمثل انتكاسة كبيرة لوقود روّجت له الصناعة باعتباره جسرًا موثوقًا به ومعقول التكلفة للانتقال من الفحم الملوث إلى الاعتماد الكامل على الطاقة المتجددة. فمن دون الغاز، ستضطر محطات الكهرباء إلى خفض إنتاجها، كما ستتوقف مصانع الأسمدة والمنسوجات. وقد تكون التداعيات المتسلسلة لصدمة طويلة الأمد أكثر خطورة حتى من أزمة الطاقة في عام 2022، عندما أجبر الغزو الروسي لأوكرانيا على تغييرات جذرية في تدفقات الغاز العالمية. وقال الرئيس التنفيذي لشركة "قطر للطاقة"، في مقابلة مع رويترز، إن الهجوم على رأس لفان ألحق أضرارا باثنين من أصل 14 خطاً لإنتاج الغاز الطبيعي المسال، إضافة إلى واحدة من منشأتين لتسييل الغاز. وأضاف أن أعمال الإصلاح ستؤدي إلى خروج طاقة إنتاجية تبلغ 12.8 مليون طن سنوياً من الخدمة لمدة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات. ويحذر خبراء في قطاع الطاقة من أن إمدادات الغاز الطبيعي المسال قد تتعطل لأشهر أو لسنوات، حتى بعد انتهاء الحرب، وأن الأمر سيعتمد على الفترة التي ستستغرقها فترة إصلاح الإضرار. تداعيات عالمية تعتمد بعض الاقتصادات على الغاز الطبيعي المسال الذي يمر عبر مضيق هرمز، لتأمين أكثر من ربع استهلاكها الإجمالي من الغاز. الأثر الأكثر فورية للأزمة الحالية يتمثل في أنها قضت تقريبًا على الفائض العالمي في الغاز الذي كان متوقعًا هذا العام، عندما كان العالم يستعد لزيادة كبيرة في الإنتاج. وستواصل الولايات المتحدة زيادة إنتاجها، لكن مع تعثر الشرق الأوسط، يتحول التوازن سريعًا إلى العجز. وبدأت آثار النقص تظهر بالفعل في الاقتصادات الناشئة في آسيا، التي تشتري 80% من الغاز الطبيعي المسال القطري وتستورد معظم الشحنات من الإمارات. وتعتمد باكستان على قطر لتأمين 99% من وارداتها من الغاز الطبيعي المسال، وقد حذر مسؤولون هناك من احتمال عدم توفر كميات كافية لتلبية احتياجات الكهرباء اعتبارًا من منتصف إبريل/نيسان المقبل. ويواجه قطاع النسيج الذي يمثل  أكبر صادرات البلاد، ضربة مزدوجة، إذ يُستخدم الغاز لتوليد الطاقة داخل المصانع وكذلك لتوفير الحرارة خلال عمليات الإنتاج. ويتكرر السيناريو نفسه في مختلف أنحاء آسيا النامية، حيث يُستخدم الغاز الطبيعي المسال عادة في العمليات الصناعية، من مصانع الأسمدة إلى مصانع الزجاج. وتمثل صدمة الأسعار هذه عاملًا قد يدفع الاقتصادات الناشئة الحساسة للأسعار إلى إعادة النظر في خططها الطموحة، للتوسع في استخدام الغاز الطبيعي المسال. وتبلغ تكلفة الشحنة الواحدة المتجهة إلى آسيا نحو 80 مليون دولار، أي أكثر من ضعف السعر قبل اندلاع الحرب في إيران. وقد علّقت فيتنام والفيليبين فعليًا مشترياتهما الإضافية حتى تهدأ الأسعار، بينما اضطرت الشركات الهندية إلى تنفيذ بعض من أعلى مشترياتها تكلفة منذ سنوات. أما باكستان، التي لا تزال تعاني من آثار أزمة 2022 التي تسببت في انقطاعات كهربائية واسعة، فتسرّع جهودها لتقليل الاعتماد عليه. وثمة مخاوف من أن يؤدي نقص الغاز الطبيعي في اقتصادات آسيا إلى زيادة الاعتماد على الفحم، وهو أكثر أنواع الوقود الأحفوري تلويثًا. وتجري الفيليبين محادثات مع إندونيسيا لتأمين مزيد من الفحم، بينما تتوقع الهند استخدام كميات قياسية منه هذا العام لتلبية الطلب على الكهرباء خلال الصيف. لكن استمرار توقف الإنتاج في قطر، لا يمثل مشكلة للدول الفقيرة فقط. فتعطل يستمر ستة أشهر سيضع أيضًا الدول المتقدمة في أوروبا وآسيا تحت ضغط لتقليص الاستهلاك إذا عادت الأسعار إلى مستويات 2022، خاصة مع اقتراب موسم إعادة ملء المخزونات استعدادًا للشتاء، وفقًا لشركة "ريستاد إنرجي". وقد استفادت الدول المستهلكة من دروس الأزمة السابقة، إذ أدرك الاتحاد الأوروبي ضرورة تنويع مصادر الإمدادات بعد اعتماده الكبير على روسيا، وسعى إلى بناء محطات لاستيراد الغاز وتحديد أهداف للتخزين. كما عززت الصين جهود التنويع. لكن هذه الإجراءات لم تكن كافية للحماية من صدمة بحجم الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، الذي يربط منتجي الخليج بالعالم، وتعطل الإمدادات في قطر، التي تُعد من أكثر الموردين موثوقية في هذا القطاع. تكمن المشكلة الأساسية في أن سوق الغاز الطبيعي المسال، وهو الأسرع نموًا بين أسواق الوقود الأحفوري، يعتمد إلى حد كبير على عقود طويلة الأجل وتسليمات دقيقة التوقيت. والسبب بسيط: الغاز شديد البرودة يتبخر تدريجيًا، وتخزينه مكلف ويستغرق وقتًا لبنائه. كل شيء في هذا القطاع شديد التخصص، من السفن إلى محطات الاستيراد، وعلى عكس النفط، لا توجد شبكة عالمية من الاحتياطيات الاستراتيجية. وعندما يعمل هذا النظام بكفاءة، تبدو هذه التكاليف غير ضرورية. لكن عندما يتعطل، يكون الأوان قد فات بالفعل. ومع ذلك، بدأت بعض الدول التي تملك القدرة المالية بالاستعداد، إذ تسعى تايوان لتأمين إمدادات إضافية، فيما تحاول كوريا الجنوبية تعويض النقص ورفع الاعتماد على الفحم. الخطر الحقيقي قد يبدأ مع الصيف، عندما تبدأ عملية إعادة ملء المخزونات. ورغم أن الأزمة تضر بالكثيرين، فإنها تفيد بعض المنتجين الآخرين الذين يُنظر إليهم كبدائل أكثر أمانًا، مثل أستراليا والولايات المتحدة. لكن يبقى السؤال ما إذا كان بإمكانهم زيادة الإنتاج بسرعة كافية لتلبية الطلب. وتسعى دول آسيوية بالفعل إلى تأمين إمدادات أميركية إضافية، فيما طلبت اليابان من أستراليا زيادة الصادرات، رغم أن الأخيرة تعمل بالفعل بأقصى طاقتها. وقد تعيد الأزمة إحياء مشاريع طموحة كانت تبدو غير واقعية سابقًا، مثل مشروع ألاسكا للغاز المدعوم من الرئيس دونالد ترامب. وفي الوقت نفسه، قد تستفيد روسيا أيضًا من الأزمة عبر زيادة صادراتها إلى الصين، خاصة مع سعي بكين إلى تنويع مصادرها. وفي ظل نقص الإمدادات، قد تدخل أوروبا وآسيا في منافسة مباشرة على الشحنات المتاحة، ما يفتح الباب أمام حرب أسعار ويخلق فرصًا كبيرة للتجار. وفي نهاية المطاف، يوضح الاتحاد الدولي للغاز: "عندما ترتفع الأسعار، تستطيع الدول الغنية الاستمرار في الشراء، بينما يتم إقصاء الدول الأقل ثراءً. لا يمكن تعويض ما فُقد من إمدادات عبر مضيق هرمز".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية