عربي
مساهمة جديدة في توثيق تجربة النضال الفلسطيني ومقاومة الأسر يُقدّمها كتاب "بائع التذاكر" (دار الآداب، 2026)، للروائي الفلسطيني الشهيد وليد دقّة. الكتاب عبارة عن مجموعة نصوص مكتوبة في مراحل مختلفة من فترة اعتقاله، من بينها النصّ الذي منح الكتاب عنوانه ونُشر عام 2017، وهو كما يشير عنوانه، يصوّر رحلة الإنسان الفلسطيني بين قيود السجن وعوالم المعرفة والمقاومة الفكرية، ويحتوي على أُخرى، تعكس رؤية صاحبها للممارسات الإسرائيلية الاستعمارية والجرائم التي واجهها الأسرى الفلسطينيون في المعتقلات.
ويتميّز أسلوب دقّة بالجمع بين السرد الواقعي والبُعد التأمّلي، مع إبراز البُعد الإنساني والأسئلة الأخلاقية حول الحرية والحياة، كما يظهر في مقتطفاته التي تتناول حق الحياة والتعليم والنضال ضد القمع، متجاوزاً التوثيق ليطرح قضايا فلسفية وسياسية واجتماعية عميقة. ومن المقتطف نقرأ: "ردّاً على أوراق الملفّ السري الذي أمامكم أقول: إنَّ المرأة العربيّة، يا سيادة القاضي، تلدُ، تماماً كنسائكم، أطفالاً! لا دليل علميّاً واحداً على أن امرأة عربية ولدت عبوَّة ناسفة، فلماذا كلُّ هذه الملفَّات السرِّيَّة؟ ولماذا يُستدعى ممثِّلون عن جهاز الأمن العامّ، بدلاً من طبيب ولادةٍ أو قابلة؟ ولماذا لم تستدعوا أصلاً خبير متفجرات؟ أنا أعرف ما الذي ستقرِّره محكمتكم. لهذا أسمح لنفسي باستباق الأمور، وبتقديم مثل هذه المداخلة، التي ما كان لعاقلٍ غيري أن يقدِّمها، لأنّها، في منطق قانونكم، تستعدي المحاكمة. لكن حين يسمح قضاؤُكم باستعداء مخلوقٍ لم يولد بعد، فإنّ ما يُصدره لم يعد يعنيني لأنَّه غير أخلاقيّ".
وليد نمر أسعد دقّة وُلد في 18 يوليو/تموز 1961 في باقة الغربية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة. انخرط في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين منذ مطلع الثمانينيات، وأسّس خلية مقاومة سرية عملت داخل الداخل الفلسطيني. اعتُقل دقّة في 25 مارس/ آذار 1986 وحكم عليه بالسجن المؤبد، ليصبح واحداً من الأسرى الفلسطينيين الذين قضوا أكثر من ثلاثة عقود خلف القضبان. خلال سنوات سجنه، تمكن دقّة من إتمام دراسته الأكاديمية وحصل على درجة الماجستير في العلوم السياسية، واستمر في النضال الحقوقي والدفاع عن الأسرى، إضافة إلى نشاطه الفكري وكتابة المقالات والكتب.
تزوّج دقّة من سناء سلامة عام 1999 داخل السجن، وكانت قصة زواجهما سابقة في تاريخ الحركة الأسيرة الفلسطينية، إذ أجبر الاحتلال على السماح بإقامة مراسم رسمية تشمل حضور الأسرى والعائلة. بعد أكثر من عقدين، رزق الزوجان بابنتهما ميلاد عام 2020 باستخدام نطفة محررة، نظراً لإجراءات الاحتلال التعسفية التي منعت الإنجاب الطبيعي. عانى دقّة خلال سنواته الأخيرة من مشاكل صحية خطيرة، أبرزها سرطان نخاع العظم، وتعرض لتدهور كبير في صحته بسبب إهمال السلطات الإسرائيلية لإجراءاته الطبية. استُشهد في السابع من إبريل/نيسان 2024 عن عمر ناهز الثانية والستين.
من أبرز أعمال دقّة: "يوميات المقاومة في مخيم جنين"، و"صهر الوعي أو إعادة تعريف التعذيب"، و"حكاية سر الزيت"، و"سر السيف". تميزت أعماله بسرد الواقع الفلسطيني بأسلوب متقن يجمع بين التوثيق التاريخي والتحليل النفسي والسياسي.
