عربي
تجاوز حجم الأوراق النقدية والمسكوكات المتداولة خارج القطاع البنكي في تونس عتبة تاريخية جديدة، بعدما تخطّى 28 مليار دينار (9.6 مليارات دولار)، وفق أحدث بيانات صادرة عن البنك المركزي التونسي. ويعكس هذا الرقم تصاعد اعتماد التونسيين على الدفع نقداً، خصوصاً خلال فترات الذروة الاستهلاكية مثل شهر رمضان والتحضير لعيد الفطر. ويمثل هذا المستوى رقماً غير مسبوق للسيولة المتداولة، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات اقتصادية متشابكة تشمل ارتفاع التضخم، تباطؤ النمو، واتساع الاقتصاد غير المنظم.
وتشير البيانات الرسمية المنشورة على موقع البنك المركزي التونسي إلى أن حجم النقد المتداول خارج البنوك واصل الارتفاع تدريجياً خلال السنوات الأخيرة، غير أن الوتيرة تسارعت بشكل لافت خلال العامين الأخيرين، لتصل إلى أكثر من 28 مليار دينار، ما يثير قلق خبراء الاقتصاد بشأن تقلص السيولة داخل البنوك وإضعاف قدرتها على تمويل الاستثمار والاقتصاد الحقيقي.
وفي السياق، يرى الخبير المالي معز حديدان، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن تضخم الكتلة النقدية خارج المصارف يعكس تغيراً في السلوك المالي للتونسيين، مع تزايد إقبال الأفراد والتجار على الاحتفاظ بالأموال نقداً بدلاً من إيداعها في الحسابات البنكية. ويتزامن هذا الارتفاع مع ذروة الاستهلاك خلال شهر رمضان، وهي فترة تشهد عادة زيادة كبيرة في التداول النقدي. ويقول حديدان إن المواسم الاستهلاكية الكبرى تسهم في ارتفاع التداول النقدي نتيجة زيادة نفقات الأسر، حيث تُنجز نسبة مهمة من المعاملات نقداً، خصوصاً في الأنشطة التجارية الصغيرة والأسواق غير المنظمة.
ويضيف أن الأسواق خلال هذه الفترة تعتمد بشكل كبير على الدفع النقدي، ما يعزز خروج السيولة من النظام البنكي، في ظل غياب آليات دفع بديلة داخل الفضاءات التجارية الشعبية. غير أن الاستهلاك الموسمي لا يفسر وحده هذا الارتفاع، إذ يؤكد حديدان أن اتساع الاقتصاد الموازي يمثل أحد أبرز الأسباب الهيكلية لتضخم الكتلة النقدية المتداولة. وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن الاقتصاد غير المنظم في تونس يمثل ما بين 30% و40% من الناتج المحلي، وهو قطاع يعتمد غالباً على الدفع نقداً لتجنب التتبع الجبائي والإجراءات الإدارية. ويشمل هذا القطاع أنشطة متعددة مثل التجارة الموازية، الأسواق غير المنظمة، وبعض الخدمات الصغيرة.
وفي سياق متصل، يشير حديدان إلى أن تراجع استخدام الشيكات في المعاملات التجارية خلال العام الأخير أدى إلى تحول جزء مهم من العمليات نحو النقد، حيث يفضل العديد من التجار والموردين التعامل نقداً لتجنب المخاطر القانونية المرتبطة بهذه الوسيلة. ومع بداية عام 2025، بدأت تونس تطبيق إجراءات مشددة على استعمال الشيك، شملت حظر استخدامه كوسيلة دفع مؤجلة، في إطار مساعٍ للحد من الجرائم المالية المرتبطة بالشيكات غير المستخلصة. كما يرى الخبير أن بطء انتشار وسائل الدفع الإلكترونية في تونس ساهم في استمرار الاعتماد الكبير على النقد، إذ لا يزال استخدامها محدوداً مقارنة بعديد الدول، خاصة في المعاملات اليومية والأسواق الشعبية التي تفتقر إلى بنية الدفع الرقمي.
وتحمل هذه الظاهرة تداعيات مباشرة على السياسة النقدية في البلاد، إذ يؤدي ارتفاع حجم الأموال المتداولة خارج الجهاز البنكي إلى تقليص السيولة المتاحة داخل البنوك، ما يحد من قدرتها على تمويل الاقتصاد ويزيد من صعوبة تتبع حركة الأموال ومكافحة التهرب الضريبي والأنشطة غير القانونية. والحدّ من هذه الظاهرة يتطلّب إصلاحات شاملة، تشمل تطوير وسائل الدفع الرقمية، تعزيز الإدماج المالي، مكافحة الاقتصاد الموازي، وإعادة بناء الثقة في القطاع البنكي.
