عربي
لبضعة عقود قُرئت "1984" لجورج أورويل، بوصفها رواية تحذّر من الأنظمة الشمولية التي أنتجتها التجربة الاشتراكية. لكنّ سقوط تلك التجارب في البلدان التي ازدهرت فيها، أتاح للرواية التي نُشرت عام 1949، أن تُقرأ في سياقٍ أكثر اتّساعاً، وهو سيطرة الرأسمالية على الحياة كلّها، حيث "الأخ الكبير" لم يعد يراقبنا من شاشة على الجدار، إنما ببساطة أصبحنا نحمله طوعاً في "الهواتف الذكية".
مع ذلك، ما تزال الرواية، في السياق الذي عُرفت به، تصلح لتفكيك الأساليب التي تعتمدها الأنظمة الشمولية التقليدية لفرض سيطرتها، والسعي إلى ديمومة تلك السيطرة، عبر التحكّم بالمحكومين وبصورة الأعداء لديهم، وباستخدام مجموعة من الآليات، مثل التحكّم بوسائل الإعلام، والتحكّم بالأرشيف لإعادة صياغة الماضي، وهذا يحدث من خلال هيئة يدعوها أورويل "وزارة الحقيقة".
ليس نصّ أورويل عن غياب الأعداء، فهو نصّ ديستوبيا، الأساس فيه هو تبدّل العدوّ، إذ وجود الأعداء ضرورة لتثبيت هرمية مجتمع النظام ونخبته، مع إيهام الجمهور بأنهم مستهدفون بصورة دائمة، وأن بلدهم مستهدف. ومن الواجب على المواطنين أن يبقوا في حالة تأهّب وخوف وتعبئة، وأن يتخلّوا، تحت هذه الذريعة، عن حقوقهم. وعبر التلاعب بخوف هذا "الجمهور"، يصبح بديلاً عن الحقيقة، ليس حقيقة أخرى، إنما محو الحقيقة، لأنّ الحقيقة تصبح وظيفيَّةً ومرتبطة بما يخدمُ النظام فقط.
في الحالة السورية، كانت "وزارة الحقيقة" تشمل جميع المؤسسات والوزارات التي تصوغ اللغة العامة، وتؤثر في المستقبل، مثل المناهج الدراسية، وكل ما يصوغ الثقافة العامة، من أسماء المدارس، إلى أسماء الشوارع، وسائر وجوه الحياة. لكن بعد حكمٍ شمولي استمرّ عقوداً، انفصلت الحقيقةُ عن الناس، ومع سقوط النظام تعرّت تلك الآلية المعقّدة، ورافق حفل العراء السوري نوعٌ من الخطاب مفادهُ أنّ أعداء سورية كانوا أعداءَ النظام فقط. سواء كان هذا الاعتقاد صحيحاً أم خاطئاً، فقد أصبحت البنية السياسية والاجتماعية والثقافية، التي اعتادت وجود الأعداء، بل وتعوزُ وجودهم، مكشوفةً، تبحثُ عن أعداء جدد.
بعد حكم شمولي استمرّ عقوداً، انفصلت الحقيقة عن الناس
ولأسباب "الواقعية السياسيّة" لم يُعتَد بالأعداء الفعليين الذين يحتلون الأرض ويتوسعون في احتلالهم. واقتصر استحضار الأعداء، أو إنتاجهم، على استبدال جماعاتٍ محلية بجماعات أخرى، وجرى ذلك عبر استبدال مجازر قديمة بمجازر جديدة، وكأنما أصبح ابتكار "العدو" جزءاً من البنية النفسية والسياسية للمجتمع نفسه، وكأنَّ الحاجة إلى العدو، ضمن المفارقة السورية، انتقلت من النظام إلى "الجمهور"، الذي يصدّره الإعلام. وهو نوع من الجمهور -مهما كان أقليَّة- لكنَّه النوعُ الذي يهتم الإعلام بتصديره، وذلك لقابلية استثمار مواقفه في الاستقطاب السياسي، ولصالح بُنى النظام الذي يتشكَّل، إذ ابتكار الأعداء يتم في سياق يخدم احتكار نخب النظام الجديد للسياسة والاقتصاد ومختلف قطاعات العيش، وهذا الاحتكار يحدث فقط بأنْ يقتصر تصنيعُ العدوّ، على الداخل، بل ووصلَ الحال، حدَّ وصف بعض أبرز من ساندوا الثورة السورية، في الثقافة والإعلام والسياسة، بالأعداء.
مع أنها حكاية قديمة، إلا أنها ما تزال صالحة في سورية، لأن التخلص من فكرة الأعداء، أو تحديدهم في أُطر وطنية وتحررية شاملة، يفتحُ الباب على أسئلة التنمية والحقوق، والعدالة الانتقالية قبل أي شيء آخر. وعوض تفكيك البنية الاجتماعية والسياسية والثقافية التي تحتاجُ أعداءً كي تستمرّ، يجري استثمارُها في البحث عن أعداء جدد، كي يُلقَوا في فم الآلة الشرهة التي تعطّل المستقبل.
* روائي سوري من أسرة العربي الجديد
