في استعادة ثقوب سوداء  للسياسة الإسرائيلية
عربي
منذ ساعة
مشاركة
قبل ربع قرن، وتحديداً بالتزامن مع انطلاق "عملية السلام" بين إسرائيل والفلسطينيين في إطار "مؤتمر مدريد" عام 1991، توقع المفكر الإسرائيلي يشعياهو ليبوفيتش (1903-1994) أن تصطدم هذه العملية، من ضمن أمور أخرى، بواقع تحوّل استمرار السيطرة على الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967 بالقوة إلى "قيمة سامية". وإذا ما أعدنا قراءة معظم التحليلات التي تناولت بالشرح والتحليل والاستنتاج وقائع "عملية السلام" منذ ذلك العام، وصولاً إلى آخر جولة مفاوضات بين الجانبين، يمكن الخلوص إلى أن ما قاله ليبوفيتش يشكل أحد "الثقوب السوداء" للسياسة الإسرائيلية. ويمكن أن يضاف أيضاً أن حرب حزيران (1967) التي تأدّى عنها الاحتلال الذي يقصده هذا المفكر، كانت إشارة البداية أو بمثابة فاتحة نحو مزيد من تطرّف المشروع الكولونيالي الصهيوني في فلسطين برمتها. وينحي كثير من هذه التحليلات باللائمة في شأن تعثّر مسار تلك العملية على "اليسار الصهيوني"، ومنها من اتهم هذا اليسار بأنه أصبح أسير ما يُسمى "السحر المسياني للسلام" فور توقيع اتفاق أوسلو. وبموجب الذي وجّه اتهاماً كهذا، فإن اليسار تغاضى عن حقيقة أن أغلبية العناصر اللازمة للسلام بقيت في الخلف أو في الأدراج، وأن الاحتلال استمرّ كما لو أنه لم يحدث شيء يذكر، وأن أي مستوطنة إسرائيلية لم تتحرّك من مكانها، ونتيجة لذلك كله "لم يتوقف العنف الفلسطيني". وبناءً على هذا، ظل الواقع الإسرائيلي القائم عقبة كأداء أمام طريق الوصول إلى "محطة السلام النهائية". ويعتقد صاحب هذا التحليل نفسه أن المسؤولية عن المناخ المسياني، الذي نما وتطوّر بعد اتفاق أوسلو، يتحملها مباشرة كل من شمعون بيريز ويوسي بيلين، مهندسي هذا الاتفاق. وهو يؤكد أن بيريز هو ذلك الذي أجّج، بصورة عامدة، وعياً عاماً إلى ناحية أن السلام أصبح ناجزاً، وذهب بيلين في عقبيه. ويضيف أن المسيانية التي تتطلب مسيحاً كاريزمياً هي جزء من التفكير الديني. أما المسيانية العلمانية، فإنها لا تستلزم مسيحاً شخصانياً، إذ إن المسيح في هذه الحالة هو السلام. وفي هذا الشأن، أعاد إلى الأذهان إحدى المقابلات مع بيريز، التي تحدّث في سياقها عن الحاجة والضرورة إلى الدفاع عن جسد السلام، "كما لو أن السلام شخصية تتجول في الشوارع"! هناك مسألة أخرى جديرة بالاهتمام ومتعلقة بحقيقة أن أغلب جولات المفاوضات بشأن التسوية السياسية جرت تحت وطأة ضغوط خارجية مارستها على إسرائيل الإدارات الأميركية المتعاقبة، ولم تكن هذه الجولات في معظمها ناجمة عن رغبة مثبتة في الدفع نحو تسويةٍ بقدر ما كانت محاولة لعدم الظهور بمظهر غير الراغب في السلام الذي تحرص إسرائيل على أن تظل مؤطرة في نطاقه. وترتب عن ذلك "ثقبان أسودان" آخران للسياسة الإسرائيلية: الاهتمام بأن تكون هناك "عملية سلام" أكثر أضعافاً مضاعفة من السعي الجاد لتحقيق اتفاق سلام. ومحاولة تسويد وجه الطرف الفلسطيني بغية تحميله المسؤولية الكاملة عن فشل أي جولة مفاوضات، في حال فشلها. وكان رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق، إيهود باراك، أول من أوصل هذه المحاولة إلى ذروتها القصوى، فهو لم يتطلع إلى تحقيق مصالحة مع الفلسطينيين في قمة كامب ديفيد (2000)، ولم يحاول تقريب الصراع من نهايته بحق وحقيق. وثمة تأويلات إسرائيلية كثيرة بأن ما فعله باراك هناك أنه "بادر إلى هذه القمة بهدف إفشالها من طريق العمد، وبذا يثبت أن الفلسطينيين هم الطرف الرافض". وهذا ما يفسّر، بكيفيةٍ ما، استمرار تباهيه بأنه "الذي كشف عن الوجه الحقيقي (للرئيس الفلسطيني الراحل) ياسر عرفات". وهذا يستدعي أن نستعيد رأي أحد الساسة الإسرائيليين (أوري أفنيري) الذي أكّد فيه أن المطلوب إزاء ما آلت إليه أوضاع إسرائيل لم يعد تغيير هذا الجانب أو ذاك من الدولة، بل تغيير مبادئ الدولة نفسها، فضلاً عن تغيير وعي كل إسرائيلي وإسرائيلية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية