عزمي بشارة: الديمقراطية على "دروب وعرة" بين النظرية والتجربة
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
يقدّم المفكر العربي عزمي بشارة، في تحليله لمفهوم الانتقال الديمقراطي، قراءة نقدية تسمح بإعادة التفكير في مفهوم الانتقال ذاته، وتدعو إلى الانتباه إلى العوامل البنيوية التي تحدّد طبيعة النظام السياسي على المدى الطويل، ما يمنح تحليله بعداً بنيوياً يتجاوز المقاربات الإجرائية التي تختزل الديمقراطية في الانتخابات أو في التداول على السلطة. ذلك أن شرعية الحكم تتشكل عبر مشاركة المواطنين في الفضاءات العمومية متعددة المستويات، وأيضاً عبر تحول المؤسسات إلى فضاءات لتنظيم التعددية الاجتماعية والسياسية في بعدها العابر للجغرافيا، ما يجعلنا أمام فهم جديد للشرعية الديمقراطية. ففي كتابه "الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة"، الذي تُرجم مؤخراً إلى اللغة الإنكليزية بعنوان "دروب وعرة" وصدر عن داريْ نشر أكسفورد وهيرست، يسائل بشارة جذور هذا الانتقال، من خلال تتبّع تشكلاته في سياق التحولات التي شهدها جنوب أوروبا وأميركا اللاتينية، ثم بعد ذلك يختبره عبر إدراج التجارب العربية في صلب التنظير، بوصفها مادةً لإنتاج المفاهيم وبناء الاستنتاجات. داخل هذا الأفق النظري، الذي يروم إعادة تركيب مفهوم الانتقال الديمقراطي بالنظر إلى خصوصيات الدول، يناقش الكتاب صمويل هنتنغتون من خلال كتابه "الموجة الثالثة: التحول الديمقراطي في أواخر القرن العشرين"، حيث يحضر تصور الانتقال بوصفه مرحلة تاريخية تتسم بتفكّك البنيات السلطوية وصعود مطالب المشاركة السياسية، وفي صلب ذلك، يناقش أيضاً كتابات فرانسيس فوكوياما وسيمور مارتن ليبيست وآدم شيفورسكي. غير أن قراءته تستفيد من هذا الحوار النظري، لتوسيع إطار هذا المفهوم، عبر إدماج عناصر ثقافية واجتماعية مرتبطة بتكوين الدولة الحديثة في العالم العربي. لقد فتح بشارة الباب أمام نقاش نظري واسع في ضوء التحولات التي شهدتها دراسات التحول الديمقراطي خلال العقود الأخيرة. فالأدبيات المعاصرة تميل إلى قراءة الانتقال عبر مقاربات أكثر تعقيداً، تتجاوز الفكرة الخطية التي تفترض مساراً تدريجياً يقود من السلطوية إلى الديمقراطية. ويظهر ذلك في أعمال منظّرين اشتغلوا على مفهوم "الأنظمة الهجينة" التي تتجاور فيها الآليات الانتخابية مع الممارسات السلطوية داخل البنية السياسية الواحدة، مثل ستيفن ليفيتسكي ولوكَن واي في كتابهما "السلطوية التنافسية" الذي يقدم تحليلاً للأنظمة التي تتبنّى بعض مؤسسات الديمقراطية من دون أن تتحول إلى أنظمة ديمقراطية مكتملة.  في ضوء هذا النقاش، يظهر أن تصور الانتقال الديمقراطي لدى بشارة ينتمي إلى أفق يرى الديمقراطية بوصفها مشروع بناء مؤسساتي طويل المدى. غير أن التجارب السياسية المعاصرة توحي بظهور أشكال جديدة من السلطوية القادرة على التكيف مع الضغوط الداخلية والخارجية، ما يجعل فكرة الانتقال نفسها موضع مراجعة دائمة. ذلك أن الدراسات التي تناولت "ما بعد موجة التحولات في أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية" تشير إلى أن الكثير من الأنظمة السياسية استقرت داخل مناطق رمادية تجمع عناصر من الديمقراطية والسلطوية في آن واحد. وهو ما يطرح إشكالاً نظرياً حول طبيعة المرحلة التي تعيشها مجتمعات عديدة، إذ يبدو أن التحليل الذي يقوم على ثنائية السلطوية والديمقراطية يواجه صعوبة في تفسير هذه الأشكال المركّبة من الحكم. ومن هنا يبرز إسهام توماس كارذرز الذي قدّم مفهوم "نهاية نموذج الانتقال" في مقالته الشهيرة حول أزمة نظرية التحول الديمقراطي، إذ يقترح قراءة المسارات السياسية خارج النموذج المرحلي الذي يفترض انتقالاً واضحاً من نظام إلى آخر.  يرى بشارة أن الديمقراطية مشروع بناء مؤسساتي طويل المدى لقد عمل بشارة على رفع الالتباس المفاهيمي بين شروط نشوء الديمقراطية وشروط ديمومتها، ما أتاح له تحرير النقاش من تلك الحتمية السوسيولوجية التي تختزل السياسة في البنية، وتغفل دور الإرادة والصراع والاختيار، كما تغفل كونها ممارسةً اجتماعيةً تتشكّل عبر تراكم الخبرات السياسية داخل المجتمع، وتتقفز على دور القيم السياسية في دعم الاستقرار الديمقراطي، كما يظهر في أعمال رونالد إنغلهارت الذي ربط تطور الديمقراطية بتحولات القيم داخل المجتمعات الحديثة، خاصة أن الديمقراطية أصبحت منظومة معقدة تتداخل فيها مستويات متعددة من السلطة، تمتد من الدولة الوطنية إلى الفضاءات العابرة للحدود.  ضمن هذا الأفق النظري يمكن قراءة أطروحة بشارة بوصفها محاولةً لتأطير التجربة العربية داخل نموذج يرتبط بمفهوم الشرعية، أي بالقدرة على بناء إجماع على الدولة، وليس على الانتخابات الحرة والنزيهة فقط. ومن هنا تتجلّى إحدى إضافاته المركزية، إذ يميز بين التعددية بوصفها معطى اجتماعياً، وبين تحولها إلى هوية مغلقة تُفرغ المجال العام من طابعه التداولي.  وإذا كان بشارة يرى بأن الديمقراطية تمثل البديل الواقعي الوحيد للسلطوية، فإن الرهان الديمقراطي يرتبط بتقديم إجابة مباشرة عن سؤالين أساسيين: كيف يمكن للمجتمعات أن تتجنّب العنف، بل حتى الحرب الأهلية، في سياق التنافس على السلطة؟ وكيف يمكن حماية المواطنين من إساءة استعمال السلطة؟ في السياق العربي، الذي خصّص له المؤلف قسماً مستقلاً بعنوان "استنتاجات نظرية من تجارب عربية"، يجيب بشارة على السؤال التالي؛ بحسب ما يؤكده في مقدمته للترجمة الإنكليزية: لماذا لم تؤد الإصلاحات التي جاءت من أعلى إلى انتقال ديمقراطي؟ يرى بشارة، بحسب ما استنتجه في مقدمة النسخة الإنكليزية، أنه "كان من الممكن لهذه الإصلاحات أن تتعزز بضغط شعبي من أسفل، بحيث تنفلت من قيود من أطلقوها أصلاً، أو ربما كان يمكن أن تدفع المعتدلين داخل النظام والمعارضة إلى التوصّل إلى نوع من الاتفاق، كما تفترضه أدبيات دراسات الانتقال. غير أن شيئاً من ذلك لم يحدث".  كشفت موجة الثورات العربية عن تطلعات الشعوب للديمقراطية ويلاحظ المؤلف أن "الثورات التي تنطلق من أسفل تُسقط النظام، بينما تأتي الإصلاحات عادة من أعلى ومن داخل النظام نفسه. أما الثورات العربية فقد تمثلت في حركات احتجاج شعبية من أسفل؛ غير أنها لم تسقط النظام بالكامل، بل طالبت بتغييره من داخله. ولهذا وصفتها بـ "الثورات الإصلاحية"، بقدر ما أنها تجبر النظام على الشروع في عملية تغيير تبدأ بإزاحة الحاكم الفعلي". في هذا الصدد، يرى بشارة أن موجة الثورات التي اجتاحت المنطقة ابتداء من ديسمبر/ كانون الأول 2010 كشفت عن تطلعات الشعوب العربية للديمقراطية، وهو ما تجلّى مجدداً في الانتفاضات الشعبية التي شهدتها الجزائر والسودان والعراق ولبنان سنة 2019. مؤكداً أن تلك الثورات، عندما رفعت مطلب التغيير السياسي، فإن الديمقراطية كانت هي المقصودة في جوهر ذلك المطلب، حتى وإن كانت الحركات الشعبية في حالة العراق ولبنان قد عبّرت في الوقت نفسه عن توق إلى هوية وطنية جامعة ورفض لنظام المحاصصة الطائفية. كما أن الاعتقاد الشعبي الواسع بأن (ثورات 2010/ 2011) قد فشلت يشكّل بحد ذاته دليلاً على أن النجاح، في المخيال العام، كان يعني إقامة شكل من أشكال الحكم الديمقراطي.  يستنتج المؤلف أن هناك طاقة اجتماعية وسياسية واسعة داخل المجتمعات العربية، تعبّر عن توق عميق إلى المشاركة السياسية. غير أن الملاحظة الأساس هي أن الحركات الشبابية الاحتجاجية التي فجّرت لحظة التحول وظهرت بوصفها قادرة على إسقاط شرعية الأنظمة السلطوية أو إضعافها، لم تستطع التحول إلى مشروع سياسي منظم يمتلك أدوات إدارة المرحلة الانتقالية. وهو ما يعني أن الانتقال الديمقراطي يتطلّب وجود فاعلين سياسيين يمتلكون القدرة على التفاوض وبناء التوافقات داخل المجال السياسي. كما يرى أن بنية الدولة السلطوية التي تشكّلت خلال العقود السابقة تمتلك قدرة كبيرة على إعادة إنتاج نفسها حتى في لحظات الأزمة، مثلما وقع في اليمن، حيث أبرم النظام السلطوي تسوية تتيح قدراً من المشاركة السياسية بين القبائل والقوى السياسية، لكن نفوذ الرئيس تقوّى بفعل تنصيب أفراد أسرته على رأس الأجهزة الأمنية والحرس الجمهوري، إضافة إلى تهميش باقي القوى - بما فيها القبائل - التي أوصلته إلى الحكم، ما عمّق الشرخ بين الشمال (الحوثيين) والجنوب (النظام). أما في سورية، فقد صُفي العمل النقابي، وأُعيد بناء النقابات على أساس "النقابية السياسية"، ما عمّق الشرخ بين النظام وبعض الجماعات الطائفية والقبلية. بينما استغلت الأنظمة في بعض الدول الخليجية، مثل السعودية والإمارات، قدرتها الاقتصادية الريعية من أجل الوقوف ضد التحول الديمقراطي في دول عربية أخرى، حيث قامتا بتمويل الإعلام المضاد للثورة، بل تمويل تظاهرات لإحداث نوع من الفوضى وعدم الاستقرار خلال عملية الانتقال. هذا التوجيه يظهر بوضوح في الحالات التي استعادت فيها مؤسسات الدولة زمام المبادرة بعد لحظة الانفجار الاحتجاجي، حيث يعاد ترتيب الحقل السياسي بطريقة تضمن استمرار البنية السلطوية الباطشة داخل صيغة جديدة. ومن هنا يبرز الدور الحاسم للمؤسسة العسكرية في العديد من التجارب العربية. فالجيوش التي تشكلت داخل بنية الدولة الحديثة لعبت أدواراً سياسية مباشرة في لحظات التحول، وهو ما جعلها فاعلاً مركزياً في تحديد مآلات الانتقال. ففي بعض الحالات ظهرت المؤسسة العسكرية بوصفها ضامناً للاستقرار السياسي، وفي حالات أخرى تحوّلت إلى قوة تُعيد ترتيب المجال السياسي وفق منطق يضمن استمرار نفوذها داخل الدولة. ومن هنا يلاحظ بشارة أن الدول العربية حافظت على تمويل جهاز الأمن والجيش ودفع الرواتب، حتى في الأزمات المالية، مثل مصر التي رفعت، إبان الأزمة الاقتصادية، ميزانية الجيش إلى 22%. كما أن الجيش في الجزائر ظل يتسلم رواتب أفراده، إذ استفاد الرئيس بوتفليقة من مصادر الطاقة لاحتواء استقلالية الجيش. لم تُحقّق الإصلاحات التي جاءت من أعلى الانتقال الديمقراطي وإذا انتقلنا إلى التجربة المصرية، التي خصّص لها المؤلف حيزاً كبيراً من اهتمامه، فإن الانتقال الديمقراطي، كما يلاحظ، لا ينجح إذا عارضه بالقوة جيش متماسك يعتبر هذا التحول مضرّاً به بوصفه مؤسسة، خاصّة إذا كانت لقياداته العسكرية مصالح راسخة في الدولة والاقتصاد. وهذا ما انتبه إليه الإخوان المسلمون الذين حاولوا إرضاء الجيش، كما فعلت المعارضة العلمانية، الأمر الذي استغله هذا الجيش للانحياز إلى ذاته بعدما انقلب على الرئيس حسني مبارك. وينتهي بشارة إلى أن الجيش بقيادة عبد الفتاح السيسي لم يكن مجرد طرف محايد تناشده المعارضة للتدخل ضد الرئيس المنتخب، بل كان معنياً ومساهماً في خلق الفوضى وعرقلة تقديم الخدمات وتحريك الشارع ضد الرئيس الإخواني. على العكس من ذلك، ينبّه بشارة إلى أن الجيش في تونس اتخذ موقفاً رافضاً لقمع الحراك، بل انحاز عملياً إلى الشعب، ما اضطر الرئيس زين العابدين بن علي إلى الاعتماد على الأجهزة الأمنية لوحدها، ليضطر في النهاية إلى مغادرة البلاد، ما فسح المجال لبروز ائتلاف وطني مكوّن من تحالف ديني علماني يجمع بين مكوّناته الاتفاق على إنشاء نظام ديمقراطي. ورغم الصراع الذي عرفته البلاد بين القوى العلمانية والترويكا الحاكمة، لم يتوقف البرلمانيون التونسيون عن العمل على الدستور. هناك استنتاج آخر لا يمكن القفز عليه في سياق لحظة التحوّل التي رافقت الحركات الاحتجاجية، ويتعلق بطبيعة الهوية السياسية داخل المجتمعات العربية. فقد كشفت تلك اللحظة بروز تيارات أيديولوجية متعددة، خصوصاً التيارات ذات المرجعية الإسلامية. يرى بشارة أن حضور هذه التيارات يعكس تحولات اجتماعية وثقافية عميقة، حيث يشكّل الدين أحد الموارد الرمزية التي تستند إليها الحركات السياسية في التعبئة والتنظيم. غير أن هذا الحضور يفتح في الوقت نفسه نقاشاً واسعاً حول العلاقة بين الدين والدولة داخل المجال السياسي العربي، وهو نقاش يتداخل فيه البعد الثقافي مع البعد المؤسساتي. يصل التحليل في النهاية إلى فكرة مركزية مفادها أن التجارب العربية تكشف عن تعقيد كبير في مسارات التحول السياسي. فالحراك الشعبي الواسع، كما تشي بذلك النماذج المدروسة، يفتح الباب أمام إمكانية التغيير، غير أن بنية الدولة وتوازنات القوى السياسية هي التي تحدّد مآلات هذا التغيير، ما يعني أن المسألة الديمقراطية عملية تاريخية طويلة تتداخل فيها التحولات الاجتماعية والمؤسساتية، ما يؤكّد أن الانتقال الديمقراطي في الدول العربية طموح شاقّ. * كاتب من المغرب

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية