"بروتوكولات" في تأمل كرسي الإعدام
عربي
منذ ساعة
مشاركة
تبدأ الرواية وتنتهي بتأمُّل كرسيّ الإعدام بالكهرباء، تتوقف الكاتبة الفرنسية كونستانس دوبريه عنده، وتشرح التكنيك حول الكريم الموصِّل للكهرباء الذي ينبغي أن تُدهن به ساقا المحكوم، بمساهمة توماس إديسون شخصياً في تطوير الفكرة. فـ"الشُّحنة الأولى تحرق الأنسجة وتكسر العظم. الشحنات التالية تشوي الشخص من الداخل"، ولا ينبغي للأطباء أو الممرضات المُشاركة في تنفيذ الحُكم، لأن ذلك يتعارض مع القسم الذي أدوه، ما يعني أن إخراج سيناريو الإعدام متروك لأشخاص غير مُتخصصين، همهم الأوحد ضمان أداء المهمة بلا أدنى احتمال للإخفاق. تتجنب دوبريه أن تذكر صراحة اسم الولايات المتحدة، وهي تتعرض لأحكام الإعدام، في روايتها "بروتوكولات" (دار فلامريون، 2026)، كما تُطبق في سبع وعشرين ولاية أميركية، فالهدف ليس التشهير بالولايات المُتحدة، أو التباهي بالحكمة الفرنسية في إلغاء العقوبة منذ حوالي أربعين عاماً. كأنها هي الصدفة وحدها، التي جعلت كونستانس المُحامية قبل الأديبة، تعمل هناك، أو تُقيم لفترات، وفي إحدى إقاماتها، تعثر على كتاب "بروتوكولات الإعدام" الأميركي، الذي يصف تفصيلاً آليات تنفيذ الأحكام منذ مئة وخمسين عاماً تقريباً، من الموت على كرسي الكهرباء، أو في غرفة الغاز، أو بالشنق، أو بحُقنة مخصصة، وغيرها من وسائل. "منذ ثلاثة أعوام لم أتوقف عن قراءة بروتوكولات الإعدام"؛ إنه نوع آخر من الأدب، منزوع الحرارة والتعاطف، أدب يؤدي الغرض منه بعيداً عن الأعين، يسعى إلى تحقيق المساواة، أو الحياد، على طريقته، بحفاظه على مسافة من العالم، بحسب كونستانس دوبريه المهووسة بداية بالقواعد، بالقوانين، بتوظيف الكلمات الصحيحة وبتقشف تام. يظهر هذا في كتبها السابقة، وهنا كذلك "أختار دائماً القانون. أريده بلا استثناء. وأحياناً حين أفكر في الموت، أخشى من المرض الذي يسبقه فقد يمنعني من تطبيق القواعد أكثر من خشيتي من الموت نفسه". وأياً كانت صحة هذا الهوس بالقاعدة لدى الكاتبة، سواء نبع من قناعة حقيقية، أو من تقديمها لنفسها، بوصفها شخصية أدبية، فهو يؤدي في كتابها هذا تحديداً دور المُفارقة المُخيفة، إذ لا يُمكن مقارنة قواعد الإعدام كما يسنّها القانون، مع القواعد التي تضعها الراوية لنفسها، سواء في مُمارستها اليومية للسباحة، وفقاً لخطوات مُعينة، أو في علاقاتها الحميمة مع النساء بإصرارها على غياب عاطفة الحُب أو الالتزام. وبمعنى آخر كيف يُمكن مقارنة هندسة القتل المُقنن وكل الخوف الذي يبثه فينا بمُجرد القراءة، بهوس العادات الشخصية؟  تقترح الرواية عدة عتبات، منها عبارة قرأتها الكاتبة مرة على لافتة "هنا نشتري الأرواح"، تسعى إلى إحداث تأثير ما في قارئها، إلى نزعه من عاداته اليومية، من الحياد المزعوم الذي يُباهي به القانون، حين تضعه منذ العبارة الأولى في مكان المحكوم بالإعدام، لا الشاهد عليه "صدر الحُكم عليك بالإعدام"، وحين تُخطره "بالقواعد والإجراءات التي ستُطبق خلال الخمسة والثلاثين يوماً القادمة". "سيبقى النور مُضاءً كل الوقت، وأنت تحت مراقبة مُستمرة". حتى مرحلة ما بعد الموت، لا تُفلت من السُّلطة الكُلية للبروتوكولات "تتولى إجراءات الدفن عائلتك، بمعونة شركة مُتخصصة. وإن لم يحدث، فسوف تتولى الولاية الأمر". تستدعي الرواية أسماء دانتي ودوستويفسكي وكامو وكافكا تتحدث الكاتبة عمّا تسميه بُطلان الأدب في هذه الحالة "القانون يجعل كل الأدب باطلاً"، وتستدعي أسماء لأدباء بعينهم "لا شيء يُمكن إضافته؛ لا دانتي، لا دوستويفسكي، لا كامو ولا كافكا"، إلا أن الرواية تقودنا إلى أعمال أدبية لا تُنسى، تأتي في مُقدمتها رواية فيكتور هوغو "آخر يوم لمحكوم بالموت"، والتي مثل "برتوكولات" لم تتعرض لأسباب صدور الحُكم على المحكوم، لأن هذا ليس هو المُهم، بل الإجراء والخطوات نفسها. غير أن كونستانس هنا أبعد ما تكون عن تقديم مُرافعة أدبية تدعو إلى إلغاء العقوبة لأسباب عقلانية أو إنسانية. على العكس، ربما يبدو عملها أقرب إلى عوالم كافكا خصوصاً، حيث العقاب آتٍ لا محالة؛ العذاب لا منطق له إنما مشفوع بالمُبررات كافة. علاوة على شعور عام مهيمن بأنه لا يُمكن تغيير وحشية هذا العالم "القانون يمحو الأسئلة. ليس للقاعدة من سبب أو نتيجة إلا هي نفسها، إلا واجب تطبيقها والخضوع لما يترتب عليها. أما الباقي فلا يهم على الإطلاق". لا يملك "برتوكولات" البناء المألوف للروايات، من حيث حبكة واضحة بشخصيات تتطور، ولا قصة لها بداية أو نهاية. بعيداً عن تفاصيل البرتوكولات، واللقاءات الغرامية، والتأملات اليومية للمدن والطرق والناس، لا يملك الكتاب خطاً سردياً مُحدداً. وبافتقاده القصة المُتخيلة التي تنشغل بنفسها عن العالم، وتشغلنا بوصفنا قُراء عن باقي العالم، يضحى الكتاب مساحة لتأمل الأدب نفسه، لقصوره أمام واقع يفوقه ديستوبية وعادية في الآن نفسه، ولفرادته التي تنبع أساساً من هذا القصور. ويُذكّر بكتاب سيمون دو بوفوار "أميركا يوماً بيوم" (1984)، الذي حمل صورتين للولايات المُتحدة، إحداهما رصدتها سيمون بمجرد وصولها إلى هناك، صورة حُلمية عن أميركا الحُريات. ثم صورة أشد قتامة تكتشفها لاحقاً بالتدريج عن أميركا القمع والعنصرية. في كتاب دوبريه، نرى أميركا الجنون، "انتهيتُ بالاعتقاد أنا أيضاً أن كل شيء ممكن. أن هناك أشياء تخفى عنّا. مؤامرة. قوى ظلامية"، ربما كاستعارة عن جنون عالمنا، عن سيره الحثيث إلى فنائه أو إلى إعدامه.  * كاتبة مصرية

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية