عربي
يتجه البنك المركزي المصري إلى رفع أسعار الفائدة على الاستثمار في أدوات الدين الحكومية لمعدلات قياسية جديدة، بعد رفعه المعدل إلى 30% الخميس الماضي، في إطار عودة قوية نحو جذب "الأموال الساخنة" التي تعهدت الحكومة بالحد من الاعتماد عليها في تمويل إيرادات الخزانة العامة، بعد أن تسببت أزمة الحرب الأوكرانية الروسية في خروج 22 مليار دولار في مارس/ آذار 2022، وخروج 6.7 مليارات دولار من سوق أدوات الدين المحلية عقب اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.
واضطر البنك المركزي إلى رفع الفائدة على أدوات الدين الحكومية، إلى نحو 30% تحت ضغوط المستثمرين، الذين طالبوا بزيادة الفائدة عن هذه المستويات والعودة بها إلى المعدلات القياسية التي بلغتها عام 2024، والتي فاقت 34%، مع التعويم الأخير للجنيه، ضمن اتفاق مسبق مع صندوق النقد الدولي، لتحرير شامل لسعر الصرف.
وأظهرت نتائج أحدث عطاءات أذون الخزانة التي ينظمها البنك المركزي، لحساب الخزانة العامة أن وزارة المالية قبلت الخميس الماضي، عروضاً بقيمة 68 مليار جنيه فقط مقابل نحو 90 مليار جنيه كانت تستهدف جمعها، نهاية الأسبوع، بعدما طالب المستثمرون بعوائد مرتفعة، تفوق 30%.
وقفزت العوائد إلى مستويات تتراوح بين 29% و30%، وهو ما يتجاوز بكثير النطاق الذي كانت وزارة المالية تستهدفه والبالغ 22% إلى 23%، في إشارة إلى أن المستثمرين الأجانب عادوا للسوق ولكن بشروط أكثر تكلفة.
وصف خبير التمويل والاستثمار رشاد عبده رفع البنك المركزي الفائدة على أدوات الدين الحكومية إلى نحو 30% بأنه عودة إلى "الجحر الذي لُدغت منه مصر مرات عديدة" خلال السنوات الماضية، والذي شهد بلوغ معدلات الفائدة مستويات هائلة وصلت إلى 34%. وقال إن مصر لم تستوعب الدرس بأن الأموال الساخنة تضر الاقتصاد وتخرب الدولة، إذ تأتي في فترات الرواج بحثاً عن الفائدة المرتفعة، ثم تخرج سريعاً عند أول أزمة.
وأضاف أن رفع الفائدة لن يكون السبيل الوحيد لجذب الأموال الساخنة في الوقت الحالي، بسبب الحرب الدائرة بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران، والتي امتدت نيرانها إلى العديد من دول المنطقة.
وفي مقابلة مع "العربي الجديد"، حذر عبده من أن استمرار حالة الاضطراب الجيوسياسي قد يدفع المستثمرين في أدوات الدين الحكومية إلى الخروج فوراً إذا شعروا بالخطر، بعد استفادتهم من الفوائد المرتفعة التي لا يجدونها في بلدانهم، مع قدرتهم على استعادة الأموال المستثمرة وفوائدها بالعملة نفسها التي دخلوا بها إلى سوق أدوات الدين.
وقد يخلق ذلك طلباً مفاجئاً على العملات الصعبة في وقت تراجعت فيه مداخيل الدولة من قناة السويس والصادرات والسياحة، وتتعرض تحويلات المصريين في الخليج لضغوط، مقابل زيادة كبيرة في مصروفات الدولة على شراء النفط والغاز وتمويل الواردات التي ارتفعت بحدة.
ويؤكد خبير التمويل والاستثمار أن زيادة أسعار الفائدة على الاستثمار في أدوات الدين ستدفع البنك المركزي إلى رفع أسعار الفائدة في البنوك، التي تعرض شهادات ثلاثية بمتوسط 15% فقط، وهو ما سيحد من قدرة المستثمرين على الاقتراض في وقت ترتفع فيه معدلات الأسعار والتضخم. وباعتبار الحكومة أكبر مقترض من البنوك، فإن كل زيادة في الفائدة بنسبة 1% تضيف نحو 70 مليار جنيه إلى الدين العام.
وأشار عبده إلى أن توجه البنك المركزي إلى رفع الفائدة بالنيابة عن وزارة المالية على الاستثمار في أدوات الدين يعني دخول البلاد في دوامة كبيرة من الاضطراب الاقتصادي، ما سيؤثر على إقبال أصحاب المدخرات على الاستثمار في البورصة، أو دفعهم إلى إيداع أموالهم في البنوك بحثاً عن العائد المرتفع. وسيجد المستثمرون الجادون أنفسهم غير قادرين على تمويل مستلزمات الإنتاج في سوق يعاني ركوداً مزمناً وتضخماً متصاعداً، في وقت لم تضع فيه الحكومة خططاً واضحة للتنمية الصناعية والإنتاجية، فيما يعاني المستثمرون من ارتفاع الفساد الإداري والبيروقراطية.
من جانبه، يؤكد خبير التمويل والاستثمار وائل النحاس أن حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية وتوقعات تحركات الفائدة الدولية ساهمتا في دفع بعض المستثمرين إلى جني الأرباح مؤقتاً، قبل العودة مجدداً عندما ارتفعت العوائد في السوق المصرية إلى مستويات أكثر جاذبية. وأشار إلى أن خروج الأموال الساخنة من مصر سيظلّ مستمراً خلال الفترة المقبلة، مدفوعاً بفترة جني الأرباح وانتهاء السنة المالية للشركات الدولية التي ترغب في تحويل عوائد استثماراتها إلى إداراتها الرئيسية بالعملة الصعبة.
ويتوقع النحاس خروج ما بين 16 و17 مليار دولار خلال الفترة من مارس/آذار الجاري إلى إبريل/نيسان المقبل، تمثل حصيلة عوائد الاستثمار في أدوات الدين الحكومية، إضافة إلى ودائع خليجية لدى البنك المركزي حان وقت استردادها، على أن تمتد هذه الضغوط حتى أكتوبر/تشرين الأول المقبل، بما يزيد الطلب على العملات الرئيسية، وخاصة الدولار.
وأكد النحاس لـ"العربي الجديد" أنه رغم ارتباط خروج الأموال الساخنة من مصر خلال الأسبوعَين الماضيَين أساساً بالحرب، فإن انتهاء برنامج الإصلاح الاقتصادي الموقع بين الحكومة وصندوق النقد الدولي في أكتوبر/ تشرين الأول المقبل سيدفع كثيراً من مؤسسات الاستثمار في أدوات الدين المحلية إلى الخروج من مصر.
وأوضح أن هذه الأموال، التي تجاوزت في فترات سابقة 42 مليار دولار، جاءت ضمن صفقة مع الدول الداعمة لمصر تضمن للحكومة تدفقات مالية وقروضاً دولية وتأجيل سداد الودائع الخليجية، بما مكّن الحكومة من رفع الاحتياطي النقدي إلى مستويات قياسية تجاوزت 52.5 مليار دولار مطلع العام، إلى جانب توفير سيولة في البنوك تساعد على تدبير احتياجات المستثمرين من العملة الصعبة لشراء مستلزمات الإنتاج والواردات الحكومية من السلع الرئيسية والاستراتيجية.
وتظل أدوات الدين المصرية من بين الأعلى عائداً في الأسواق الناشئة، ما يجعلها جاذبة للمستثمرين الباحثين عن أرباح سريعة، خاصة في ظل استقرار نسبي لسعر الصرف خلال الأسابيع الأخيرة.
وبعد موجة خروج سريعة للأموال الأجنبية من سوق الدين المحلي خلال الأسبوعَين الماضيَين، عاد المستثمرون الأجانب مجدداً إلى شراء أدوات الدين المصرية مستفيدين من ارتفاع العوائد إلى مستويات قياسية تقترب من 30%، في تطور يعكس جاذبية العائد المرتفع، لكنه يضع الحكومة في الوقت نفسه أمام معادلة شديدة الحساسية بين جذب الدولار وتجنب انفجار فاتورة الفائدة في الموازنة العامة للدولة.
ويرى محللون أن موجة الخروج السريعة كانت مرتبطة أساساً بارتفاع المخاطر الجيوسياسية في المنطقة، ما يدفع عادة صناديق الاستثمار العالمية إلى تقليص تعرضها للأسواق الناشئة واللجوء إلى الأصول الأكثر أماناً مثل السندات الأميركية، التي تشهد إقبالاً متزايداً مدفوعاً بما يعرف بـ"تسليح الدولار".
وتضع العودة إلى الأموال الساخنة الحكومة أمام خيار صعب؛ فرفع العائد على أدوات الدين قد ينجح في جذب تدفقات دولارية سريعة، لكنه في المقابل يزيد الضغوط على الموازنة العامة. وتظهر البيانات الحكومية أن مدفوعات الفائدة تلتهم حالياً نحو 80% من الإيرادات الضريبية، ما يجعل أي زيادة إضافية في أسعار الفائدة عبئاً مباشراً على المالية العامة.
وفي سياق متصل، تسعى الحكومة إلى احتواء المخاطر عبر خطة متوسطة الأجل لإدارة الدين تهدف إلى خفض احتياجات التمويل الحكومية إلى ما بين 9% و11% من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات المقبلة.
وتستهدف الخطة خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي إلى ما بين 71% و73% بحلول العام المالي 2028-2029، إلى جانب تقليص فاتورة خدمة الدين السنوية إلى نحو 8.6% من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بنحو 11% حالياً، عبر تغيير هيكل الدين العام بإطالة متوسط آجال استحقاق الدين إلى نحو خمس سنوات وتنشيط السوق الثانوية لأدوات الدين لجذب قاعدة أوسع من المستثمرين.
كما تتضمن الخطة زيادة نسبة الدين المقوّم بالجنيه المصري إلى نحو 80% من إجمالي الدين العام، في محاولة لتقليل تعرض الموازنة لتقلبات سعر الصرف.

أخبار ذات صلة.
العضلة الخلفية تغيّب تمبكتي عن مران الهلال
الشرق الأوسط
منذ 45 دقيقة
ترمب يضغط عالمياً لتأمين «هرمز»
الشرق الأوسط
منذ 47 دقيقة