مراكز إيواء جبل لبنان... آلاف النازحين يعانون في غياب المساعدات
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
تشكّل مناطق جبل لبنان نقاطاً أساسية لاستقبال النازحين، في ظل ضغوط متزايدة على البلديات والمجتمعات المحلية لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الدعم الإنساني، وغياب كامل للمنظمات الدولية. مع اتساع رقعة النزوح في لبنان من جرّاء العدوان الإسرائيلي، تحوّلت محافظة جبل لبنان إلى إحدى الوجهات الأساسية للعائلات الفارّة من القصف، واستقر آلاف النازحين في أقضية الشوف (بما فيه إقليم الخروب)، وعاليه، وبعبدا، وتوزّعوا بين مراكز الإيواء التي خصصتها الدولة، ومنازل مستأجرة، أو بيوت استضافتهم مؤقتاً. يبلغ عدد النازحين في مراكز الإيواء بقضاء عاليه نحو 11 ألف شخص موزعين على 52 مركز إيواء، في ظل غياب واضح للمنظمات الدولية، وشح المواد الغذائية والمستلزمات الشخصية، كما يبرز نقص تجهيزات المطابخ، ما يحول دون تمكّن النازحين من إعداد الطعام بأنفسهم، وتغيب العيادات المتنقلة التي كانت تديرها منظمة "أطباء بلا حدود" خلال الحرب الماضية، ويُضاف إلى كل ذلك نقص المازوت اللازم لتأمين التدفئة داخل مراكز الإيواء. يقول عضو بلدية عاليه فادي شهيب، لـ"العربي الجديد"، إنّ "عدد النازحين في مراكز الإيواء الرسمية الثلاثة في مدينة عاليه وحدها يبلغ نحو 700 نازح، وعدد النازحين في المنازل المستأجرة أو المستضيفة يُقدّر بنحو ثلاثة آلاف شخص. نواجه أزمة حقيقية بسبب غياب دور المنظمات الدولية، وتعتمد المبادرات القائمة على جهود البلدية، إضافة إلى مساعدات من بعض الخيرين. بعض الجمعيات تركز على تأمين مستلزمات النظافة، في حين يوجد نقص كبير في المساعدات الغذائية". ويضيف شهيب: "إذا طالت الأزمة فلن نتمكن من الاستمرار بوتيرة تقديم وجبات الطعام نفسها، إذ نعتمد بشكل أساسي على مساهمات المطاعم وبعض الممولين. هناك عدد كبير من الأطفال الرضع الذين يحتاجون يومياً إلى الحليب والحفاضات، وهذه المساعدات قليلة، أما على صعيد التدفئة، فنحاول تأمينها قدر المستطاع، لكن ارتفاع أسعار المازوت يجعل من الصعب الاستمرار في تأمين الإمدادات اللازمة". تضم مراكز الإيواء الرسمية الثلاثة في مدينة عاليه نحو 700 نازح، ويُقدّر عدد النازحين في المنازل المستأجرة بنحو ثلاثة آلاف شخص ينتشر النازحون في الأحراج المحيطة بمدرسة عرمون المتوسطة لتنفيس وجع العيش في فصول مدرسة، وهي تضم 56 عائلة نازحة، غالبيتهم من بلدة حاريص (قضاء بنت جبيل). تقول النازحة غزالة نجدي لـ"العربي الجديد" إنها أم لخمسة أولاد، اثنان منهم يخدمان في الجيش اللبناني، وإنّها أمضت ليلة على الطريق قبل أن تصل إلى هذه المدرسة. وتؤكد: "أقله هنا يوجد سقف فوقنا. المعنيون لم يقصروا، ويحاولون تأمين ما يلزم، وأمس قدمت لجنة صحية من البلدة، وأجرت لنا معاينات، وقدمت بعض الأدوية". بدورها، نزحت نجاح طالب من بلدة العديسة الحدودية إلى حبوش (قضاء النبطية) للمرة الثالثة، ومنها نزحت تحت القصف إلى مدرسة في عرمون. وتقول لـ"العربي الجديد": "علينا أن نتحمل بعضنا، ونتعامل كأننا عائلة واحدة، فلا خيار سوى الصبر. يحاولون تأمين الأغطية لنا، وهناك وقت محدد تُشغّل فيه التدفئة المركزية ليلاً، لكن المازوت لا يمكن تأمينه باستمرار. يتجمع النازحون في ملعب المدرسة تحت أشعة الشمس نهاراً، ويلجأون إلى الغرف ليلاً، لكنها تكون باردة". نزح حسن الزين أحمد من بلدة حاريص (قضاء بنت جبيل)، ويقول لـ"العربي الجديد": "لولا أهل منطقة جبل لبنان، لما وجد الجنوبي مكاناً يؤويه نتيجة التحريض علينا. كنت أعمل أجيراً في البلدة، والحياة متوقفة منذ سنة ونصف سنة في الجنوب، ولا نعلم متى سنعود. يصعب التعبير عن فكرة ترك منازلنا وأملاكنا". وتتحدث المراهقة آية قاسم، وهي نازحة من حاريص أيضاً، عن أمنية العودة إلى المنزل وتوقف الحرب. تقول: "لا أملك أيّاً من أغراضي، ويريدون منا أن نعود إلى الدراسة، فيما لا نملك الكتب، ولا حتى هواتف". تكمل والدتها الحديث قائلة: "لا أعلم لماذا تسارع الدولة إلى متابعة التعليم من دون أن تفكر بظروفنا؟ وجدنا سقفاً يحمينا، لكن الظروف صعبة. عليهم أن يرحموا الناس. لدي ثلاث فتيات يحتجن إلى اهتمام واحتياجات مختلفة، ومن الصعب أن أعتني أيضاً بوضعهنّ النفسي". يقيم في ثانوية حسن مسعود الرسمية في منطقة بشامون نحو 300 نازح، غالبيتهم من القرى الجنوبية. تقول مديرة المدرسة، عليا الصائغ لـ"العربي الجديد": "لدينا نواقص مثل الفرش والأغطية. الدولة، عبر قائمقام عاليه، أرسلت فقط 27 حصة غذائية، وهذا عدد قليل للغاية. تعتمد المدرسة إلى حد كبير على مبادرات أهالي المنطقة، إضافة إلى دعم من الحزب التقدمي الاشتراكي في البلدة، الذي أمّن مخزوناً من المازوت لتشغيل التدفئة المركزية، ونقوم بتشغيلها لمدة ثلاث ساعات فقط مساءً، لأن الكميات المتوفرة لا تكفي لفترة طويلة". وتشير الصائغ إلى أن "حضور الجمعيات الدولية كان أكبر خلال الحرب الماضية، واليوم حضر فريق من جمعية إنقاذ الطفولة لتنظيم أنشطة للأطفال. لم نشاهد أية طواقم طبية أو عيادات متنقلة، ولا حتى على صعيد تأمين الحصص التموينية، وإذا طالت الأزمة، فلا أعرف كيف سنتمكن من تلبية احتياجات النازحين". تحمل نرمين، النازحة من بلدة عيتيت (قضاء صور) إلى مدرسة بشامون، طفلتها البالغة سنة ونصف سنة، وتقول لـ"العربي الجديد": "طوال 10 أيام وصل إلى كل غرفة تضم نحو خمس عائلات حصة غذائية واحدة، في حين توزع وجبة واحدة مساء للإفطار، عبارة عن أرز، فيما السحور عبارة عن سندويتش لبنة. قبل يومينن بدأ تشغيل التدفئة المركزية، لكن لثلاث ساعات فقط، ونحاول تدفئة أنفسنا بالأغطية، ومساعدات الحليب والحفاضات قليلة". وانطلقت في بلدة بيصور مبادرة مخصصة للنازحين في البيوت المستأجرة، بينما تغيب خطط المساعدة للموجودين في مراكز الإيواء. تمتلك جمعية نون التضامن النسوية في البلدة مبنى من طابقين، خَصصت أحدهما لاستقبال عائلة كبيرة، فيما تحوّل الطابق الآخر إلى مخزن لتجميع المساعدات الغذائية والصحية ومستلزمات النظافة قبل توزيعها. تقول مديرة المركز فرح أبي مرشد لـ"العربي الجديد": "مبادرتنا مخصصة للنازحين المقيمين في المنازل في قضاءي بعبدا وعاليه، فالسكن في بيت لا يعني انعدام حاجة الأفراد، فالبيوت تحولت إلى مراكز إيواء مصغّرة فيها اكتظاظ سكاني، وهؤلاء يحتاجون إلى حصص غذائية، لا سيما أننا في منطقة جبلية تحتاج إلى التدفئة وملابس إضافية، بينما يغيب الدعم الدولي وتراجع عمل الجمعيات الإغاثية". وتضيف أبي مرشد: "هناك ضغط كبير على مناطق الجبل والشوف بسبب القرب الجغرافي والسياسي، ويتجه النازحون إليها باعتبارها مناطق آمنة، أو بسبب ما يتعرض له بعضهم من مضايقات في مناطق أخرى. تخدم الجمعية يومياً نحو 1200 شخص، وتعتمد في عملها على تعاون المبادرات المحلية، كما يشارك في تقديم المساعدة متطوعون من النازحين . فقدت الجمعية إحدى الناشطات اللواتي كنّ يساعدن في المركز في استهداف إسرائيلي طاول منزل نزحت إليه عائلتها في منطقة عرمون قبل أيام". تضم ثانوية بيصور الرسمية 246 نازحاً، فيما يبلغ عدد النازحين في البلدة، بين البيوت المستأجرة والبيوت المستضيفة، قرابة 2900 نازح. ويقول عضو البلدية عارف العريضي لـ"العربي الجديد": "شكلت البلدية خلية أزمة تضم متطوعين لتنظيم شؤون النازحين في المدرسة ومتابعة احتياجاتهم، والدولة أمّنت عدداً قليلاً من الفرش والأغطية الشتوية، كما أمنت 60 حصة غذائية، فيما كان الاعتماد الأكبر على ميسوري الحال في البلدة، وأحزاب المنطقة التي تحاول تأمين المستلزمات". لا ينكر العريضي وجود مشكلة تدفئة، مشيراً إلى أن "بعض الغرف تضم مدافئ، ونحاول تأمين أغطية إضافية. أما بالنسبة للنازحين المقيمين في المنازل، فاستجابة البلدية محدودة لعدم القدرة على تلبية جميع الاحتياجات نظراً إلى حجم الطلب الكبير، بينما المساعدات تصل إلينا بالقطّارة". تجلس النازحة سلام في ممر ثانوية بيصور قرب النافذة، وتقول لـ"العربي الجديد": "نواجه أزمة كبيرة في تأمين المياه، فهي مقطوعة بشكل شبه دائم، ونضطر إلى شراء المياه رغم أنه من الصعب دفع ثمنها، وزوجي لا يستطيع العمل على سيارة الأجرة بسبب ارتفاع سعر البنزين. استأجرت منزلاً في بلدة القماطية في الجبل خلال الصيف الماضي، لكنني غادرته قبل شهرين بعدما رأيت أن الوضع الأمني في الضاحية أصبح جيداً. لكن رحلة النزوح الأخيرة كانت صعبة، إذ أمضيت مع بناتي نحو أربعة أيام ننام في السيارة قبل أن نصل إلى هذه المدرسة". تخشى سلام نفاد الأموال القليلة التي بحوزتهم، قائلة: "لا نعرف كم ستستمر الحرب، ولدينا مبلغ بسيط قد لا يكفينا أسبوعاً. لا يمكننا العيش على الحصص الغذائية، فهناك وجبة طعام واحدة يومياً، ونحاول تأمين باقي الاحتياجات على نفقتنا". تمكنت فاطمة اللقيس من الوصول إلى ثانوية بيصور قبل أربعة أيام. وتقول لـ"العربي الجديد" إن "الظروف قاسية، لكن علينا أن نتحمل. نعاني من أزمة المياه، بينما بقية الاحتياجات متوفرة بالحد الأدنى، ونحاول التكيف بما يتوفر، ونأمل أن تنتهي الحرب سريعاً طوال، فطوال السنتين الماضيتين لم نسلم في الجنوب من شرّ إسرائيل".  يجلس المسن أحمد حجازي النازح من بلدة حاريص في ملعب متوسطة عاليه الرسمية، يستمع إلى الأخبار عبر راديو قديم حمله معه من منزله. ويقول لـ"العربي الجديد": "نحن مجبرون على تحمّل هذا الوضع، ونطالب الدولة بمساعدتنا وعدم التخلي عنا. حتى اليوم لم يأتِ أحد للسؤال عنا، وأهالي البلدة يؤمّنون لنا المأكل والمشرب. هذه المرة الثالثة التي أنزح فيها، لكنها الأصعب". من داخل غرفة المدرسة التي جُهّزت بالسجاد الشتوي ومدافئ الغاز، تقول زوجته فاطمة: "أمضينا يومين على الطرقات في ظروف صعبة، وليس من السهل علينا ترك منزلنا، فنحن عائلة مؤلفة من 13 فرداً. ننتظر الحصص الغذائية، فيما يعمل أهالي البلدة والمعنيون على تأمين وجبات، لكن هناك العديد من المستلزمات التي تنقصنا، مثل مواد النظافة الشخصية والأدوية، ولم يأتِ بعد أي فريق من المراكز الصحية". من ثانوية مارون عبود في عاليه، تقول النازحة من مدينة صور بديعة بدوي لـ"العربي الجديد" إن "الوضع الصحي صعب، وابني يعاني من ضمور عضلي، ويتنقل بمساعدة العكاز، فيما أضطر إلى حمله للوصول إلى الغرفة في الطابق الثاني من الثانوية. هذه المرة الأولى التي أنزح فيها إلى مدرسة، لأن طفلي يحتاج إلى عناية خاصة وتدفئة مستمرة، ولا يستطيع الاستحمام بالمياه الباردة. لدينا أيضاً مشكلة انقطاع المياه، إضافة إلى الانتظار طويلاً لدخول المراحيض".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية