عربي
عندما تتوقف الحروب الكبرى، لا يكون السؤال الحقيقي هو من بقي في السلطة، بل ما إذا كانت تلك السلطة ما زالت قادرة على الحكم بوصفها قوة سياسية واستراتيجية. فالأنظمة لا تُقاس بوجودها الرسمي فقط، بل بقدرتها على إدارة الدولة، والحفاظ على توازنها الداخلي، وممارسة نفوذها في محيطها الإقليمي. وإذا فقدت هذه العناصر الأساسية، فإنها تتحول إلى سلطة قائمة بالاسم فقط، حتى لو استمرت مؤسساتها في العمل شكلياً.
من هذا المنظور يمكن القول إن السلطة القائمة اليوم في إيران قد سقطت عملياً، حتى لو لم تسقط سياسياً بعد. فالحرب الحالية لم تفتح مجرد مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بل كشفت حدود النموذج الذي قام عليه النظام الإيراني طيلة العقود الماضية.
منذ قيام الجمهورية الإسلامية، اعتمد النظام الإيراني على معادلة واضحة: قوة عسكرية قادرة على الردع، واقتصاد يستطيع تمويل النفوذ الإقليمي، وخطاب أيديولوجي يمنح السلطة شرعية سياسية داخلية وخارجية. هذه الركائز الثلاث لم تكن مجرد أدوات للسياسة، بل كانت أساس النظام نفسه. لكن الحرب الحالية ضربت هذه الركائز دفعة واحدة، الأمر الذي جعل السؤال المطروح اليوم لا يتعلق بنتيجة الحرب فقط، بل بمستقبل السلطة التي تدير الدولة الإيرانية.
السؤال المطروح اليوم لا يتعلق بنتيجة الحرب فقط، بل بمستقبل السلطة التي تدير الدولة الإيرانية
الضربة الأولى جاءت في المجال العسكري. فقد بنى النظام الإيراني خلال السنوات الماضية شبكة واسعة من القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة، إلى جانب منظومة من الحلفاء والقوى المرتبطة به في المنطقة. وكانت هذه القوة تُقدَّم دائماً بوصفها أساس الردع الإيراني في مواجهة خصومه.
غير أن الحرب الأخيرة كشفت أن هذه المنظومة ليست بالقوة التي كان يُعتقد أنها تمتلكها. فالهجمات التي استهدفت مواقع عسكرية ومنشآت حساسة داخل إيران أظهرت أن قدرة النظام على حماية مراكزه الحيوية محدودة، وأن الردع الذي كان يُفترض أن يمنع مثل هذه الضربات لم يعد يعمل بالطريقة نفسها.
وفي عالم الاستراتيجيات العسكرية، لا يكون تدمير المعدات هو الخطر الأكبر، بل انهيار فكرة الردع نفسها. فعندما يتبين أن الخصم قادر على ضرب أهداف حساسة داخل الدولة دون أن يواجه رداً مكافئاً له، فإن صورة القوة التي بنتها الدولة لنفسها تبدأ بالتآكل سريعاً.
لكن الأزمة العسكرية لم تكن وحدها المشكلة. فالاقتصاد الإيراني كان يعاني أساساً من ضغوط كبيرة قبل الحرب نتيجة العقوبات وسوء الإدارة الاقتصادية. ومع اتساع المواجهة العسكرية، تزداد هذه الضغوط بشكل كبير، خاصة إذا تعرضت البنية التحتية النفطية أو الموانئ أو شبكات الطاقة لأي أضرار.
الاقتصاد في الأنظمة المركزية ليس مجرد قطاع إنتاجي، بل هو أيضاً أداة سياسية للحفاظ على توازن السلطة داخل الدولة. فالنظام يحتاج دائماً إلى موارد مالية للحفاظ على شبكة الولاءات داخل المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية. وعندما تتقلص هذه الموارد، يصبح الحفاظ على هذا التوازن أكثر صعوبة، وتبدأ التوترات الداخلية بالظهور داخل بنية الدولة نفسها.
في هذا السياق، تميل الدول التي تفقد القدرة على تحقيق توازن عسكري مباشر إلى توسيع نطاق المواجهة أفقياً عبر ضرب محيطها الإقليمي، ليس بهدف تحقيق نصر عسكري تقليدي، بل لخلق أزمة أكبر تدفع القوى الإقليمية والدولية إلى السعي لوقف الحرب.
وهذا ما حدث عملياً، عندما أطلقت إيران موجات متتالية من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة باتجاه عدد واسع من دول المنطقة. فقد وصلت هذه الضربات إلى نطاق جغرافي واسع شمل دول الخليج العربي: السعودية وقطر والإمارات والبحرين وعُمان، إضافة إلى العراق والأردن وتركيا، وامتد أثرها إلى مناطق أبعد.
بل إن عدد الصواريخ والطائرات المسيّرة التي استهدفت دول الجوار تجاوز في بعض المراحل ما أُطلق باتجاه إسرائيل نفسها.
توسيع الصراع لم يكن تعبيراً عن تفوق عسكري بقدر ما كان محاولة لفرض معادلة جديدة تقوم على تحويل الحرب إلى أزمة إقليمية واسعة، بحيث يصبح إيقافها مصلحة مشتركة للجميع
ومع ذلك، فإن المفارقة الأبرز في هذا التصعيد الإقليمي أن هذه الدول لم تدخل الحرب ولم ترد بالمثل، حتى بالحد الأدنى من الرد العسكري الرمزي. وهذا يكشف أن توسيع الصراع لم يكن تعبيراً عن تفوق عسكري بقدر ما كان محاولة لفرض معادلة جديدة تقوم على تحويل الحرب إلى أزمة إقليمية واسعة، بحيث يصبح إيقافها مصلحة مشتركة للجميع.
لكن مثل هذه الاستراتيجية غالباً ما تكون علامة على مأزق استراتيجي أكثر مما هي تعبير عن قوة حقيقية.
وقد انعكس هذا التوسع الإقليمي للحرب سريعاً على المستوى الدولي. فقد تبنى مجلس الأمن قراراً يدين الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج، وحصل القرار على تأييد ثلاث عشرة دولة، بينما امتنعت كل من روسيا والصين عن التصويت. ورغم أن الامتناع لا يعني تأييد القرار بالكامل، فإنه يكشف في الوقت نفسه حجم العزلة السياسية التي وجدت إيران نفسها فيها خلال هذه الحرب.
فحتى الدول التي كانت طهران تعتبرها "شركاء استراتيجيين"، لم تكن مستعدة للدفاع عنها في مواجهة هذا التصعيد.
العزلة الدولية ليست مجرد مسألة دبلوماسية، بل هي عامل حاسم في تحديد مستقبل الأنظمة السياسية. فالدول التي تجد نفسها معزولة على المستوى الدولي تفقد تدريجياً القدرة على المناورة السياسية والاقتصادية، ومع تراجع الدعم الخارجي تصبح الضغوط الداخلية أكثر تأثيراً.
ولهذا كانت الحروب الكبرى في كثير من الأحيان نقطة تحول في تاريخ الأنظمة السياسية، لأن نتائجها لا تُقاس فقط بالخسائر العسكرية، بل أيضاً بالتغيرات التي تفرضها على موقع الدولة في النظام الدولي.
في الداخل الإيراني ستطرح الحرب أسئلة سياسية لا يمكن تجاهلها بسهولة. فالمجتمعات التي تخوض حروباً مكلفة تبدأ دائماً بطرح الأسئلة الأساسية: لماذا حدثت الحرب؟ ومن المسؤول عنها؟ وهل كانت السياسات التي قادت إليها ضرورية بالفعل؟
الأنظمة التي تعتمد على خطاب أيديولوجي تحتاج دائماً إلى نجاحات سياسية أو عسكرية تثبت صحة هذا الخطاب
هذه الفرضيات لا تؤدي بالضرورة إلى سقوط فوري للأنظمة، لكنها غالباً ما تؤدي إلى تآكل تدريجي في شرعيتها السياسية. فالأنظمة التي تعتمد على خطاب أيديولوجي تحتاج دائماً إلى نجاحات سياسية أو عسكرية تثبت صحة هذا الخطاب. وعندما تتحول هذه السياسات إلى مصدر للأزمات بدلاً من أن تكون مصدر قوة، تبدأ الشرعية التي قامت عليها بالتراجع.
كل هذه العوامل تقود إلى نتيجة واضحة: حتى لو توقفت الحرب دون سقوط النظام الإيراني بشكل مباشر، فإن النظام الذي سيخرج منها لن يكون هو نفسه الذي دخلها.
فالقوة العسكرية ستتراجع، والاقتصاد سيواجه ضغوطاً أكبر، والعزلة الدولية ستزداد، بينما ستتصاعد الأسئلة الداخلية حول المسار الذي قاد البلاد إلى هذه المواجهة.
وفي مثل هذه الظروف يمكن للسلطة أن تستمر شكلياً لبعض الوقت، لكنها تكون قد فقدت بالفعل قدرتها على العمل بوصفها قوة استراتيجية مؤثرة.
ولهذا يمكن القول إن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان النظام الإيراني سيسقط فوراً بعد الحرب، بل ما إذا كان قادراً على الاستمرار بالصيغة نفسها التي حكم بها إيران طيلة العقود الماضية. والمعطيات التي كشفتها الحرب تشير إلى أن هذا الاحتمال أصبح ضعيفاً للغاية.
ففي التاريخ السياسي كثيراً ما يحدث أن تسقط الأنظمة استراتيجياً قبل أن تسقط سياسياً. وعندما تفقد السلطة قدرتها على الردع، وتدخل في أزمة اقتصادية عميقة، وتبدأ شرعيتها الأيديولوجية بالتآكل داخل المجتمع، فإن سقوطها يصبح مسألة وقت أكثر مما هو مسألة قوة.
ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن فهم ما يجري اليوم في إيران: سلطة قد تستمر في الحكم لبعض الوقت، لكنها فقدت بالفعل كثيراً من الأسس التي جعلتها قادرة على الاستمرار.
أخبار ذات صلة.
تونس... مجتمع في ظل الزنزانة
العربي الجديد
منذ 8 دقائق
حريق وضيق ومضيق
العربي الجديد
منذ 9 دقائق
ضرورة الاستعداد السوري في أجواء الحرب
العربي الجديد
منذ 9 دقائق
سرديات دينية أو "حروب الغائب"
العربي الجديد
منذ 9 دقائق