عربي
مع حلول ساعات العصر طوال أيام شهر رمضان، تخلع الأسواق اليمنية ثوب السكون وتزدحم بحركة دؤوبة بطلاتها نساء وأطفال اتخذوا أرصفة الشوارع ملاذاً لمواجهة الظروف القاسية. تفوح تحت أشعة الشمس روائح مأكولات رمضانية مثل "اللحوح" و"السنبوسة" و"الباجية"، والتي تحوّلت من أطباق تزين الموائد إلى مشاريع صغيرة تُدار من داخل بيوت منهكة.
تمارس نساء كثيرات هذا العمل موسمياً خلال رمضان بسبب الوضع المعيشي المتردي الذي جعل بيعها في الأسواق وسيلتهن الوحيدة لسدّ رمق أسرهن وتوفير الحد الأدنى من متطلبات شهر الصوم.
ولا تدير النساء هذه المشاريع وحدهن، إذ يستعن بأطفالهن في مهمات البيع والتوزيع، كي يكتفين بالتحضير، ويساهم هؤلاء الصغار في توفير احتياجات رمضان، و"كسوة العيد". ولا يقتصر دورهم على بيع الطعام، بل يستغل كثير منهم الموسم لإنشاء بسطات صغيرة لبيع الملابس.
في منزل متواضع بأحد أزقة مدينة تعز تبدأ مريم (47 سنة)، معركتها اليومية منذ ساعات الصباح الأولى، كونها منذ فقدت زوجها باتت مسؤولة عن متطلبات أسرة تضم ستة أطفال. على صفيح "الموفى" (الفرن التقليدي)، تنهمك مريم في تحضير "اللحوح"، وهو خبز يمني رقيق ومرن يتميّز بطعمه الحامض قليلاً وقوامه الإسفنجي، ويعد المكون الأساسي لطبق "الشفوت" الشهير الذي لا يغيب عن المائدة الرمضانية في اليمن. ومع حلول الظهر، تتجه صوب السوق المركزي في وسط مدينة تعز، حيث تبيع "اللحوح" الطازج للمارة حتى أذان المغرب.
تقول مريم لـ"العربي الجديد": "وضعنا الصعب يتطلب أن نكافح من أجل لقمة العيش. أجهّز اللحوح قبل الظهر، وبعد الصلاة أخرج إلى السوق، وأجلس لبيعه حتى المغرب. أكسب نحو 20 ألف ريال (14 دولاراً) يومياً، وهي لا تلبي الاحتياجات في ظل هذا الغلاء، لكنه مبلغ يستر الحال، ويسمح بأن أعيش بكرامة. أشتري من أموال بيع اللحوح خلال موسم رمضان لقمة الفطور، وأحاول أن أجمع ثمن كسوة العيد للأطفال".
يوزع الشقيقان سمر (13 سنة) وحسام (15 سنة) ما تصنعه والدتهما منزلياً من "السنبوسة" و"اللحوح" في أسواق مدينة تعز المكتظة. والسنبوسة رقائق عجين تُحشى بخضار أو عدس أو جبنة، وتُطوى على شكل مثلثات ثم تُقلى في الزيت كي تكتسب قرمشة ذهبية. وهي رفيقة "اللحوح" الدائمة على مائدة الإفطار الرمضانية في اليمن.
عند الساعة الثانية ظهراً، تبدأ "خطة الانتشار"، ويتوجه حسام حاملاً أطباق "اللحوح" إلى أحد الأسواق الشعبية المزدحمة، بينما تشد سمر رحالها إلى سوق باب موسى لبيع "السنبوسة". وسط زحام السوق وصيحات الباعة وحركة السيارات تقف الصغيرة سمر بجسدها النحيل، تحمي بضاعتها من التدافع، وعينها لا تفارق المارة بحثاً عن زبائن.
في المساء يجتمع الشقيقان لتقديم الربح الذي يراوح بين 25 و35 ألف ريال (17 و23 دولاراً) لوالدتهما، في مشهد يختصر كيف يتحوّل أطفال اليمن إلى "أعمدة" تستند إليها البيوت المتعبة. تقول سمر لـ"العربي الجديد": "تجهّز أمي السنبوسة واللحوح منذ الصباح، وأتقاسمها مع شقيقي حسام ونتوجه لبيعها في السوق، حيث أجلس وأصيح يا سنبوسة حالية ومقرمشة. أحياناً أتعب من الوقوف تحت الشمس، لكن يجب أن أبيع كل ما معي كي نتدبر أمورنا، فالمعيشة غالية ومصاريف وطلبات البيت كثيرة. الرزق موجود لكنه يتطلب الصبر، ورمضان يأتي برزقه".
للسنة الثانية على التوالي، يتخذ الفتى مشتاق من رصيف شارع التحرير بوسط تعز، مكاناً لبسطة يبيع فيها الملابس. بدأ هذا العمل قبل سنتين، وأدرك أن رمضان "موسم ذهبي" لممارسة التجارة، وهو يجمع المال لتأمين احتياجاته الشخصية والأساسية طوال أشهر السنة، ما يخفف بعض العبء عن كاهل أسرته.
يقول مشتاق لـ"العربي الجديد": "أبيع الملابس للسنة الثانية في السوق. أجلس على البسطة من العصر حتى وقت الفطور، ثم أعود بعد صلاة العشاء وحتى منتصف الليل. يقول الناس إنني صغير في السن، لكن العمل ليس عيباً، وأنا أعتمد على نفسي، والمال الذي أجمعه في رمضان أحفظه وأصرف منه طوال السنة. أشتري به كسوتي وأي شيء أحتاجه، وأوفر مصاريفي، وأهلي راضون ويشجعونني".
وخلال الأيام العشرة الأخيرة من رمضان، يزدهر نوع آخر من "العمل الموسمي"، إذ تنتعش مهنة النقش بالحناء والخضاب. ويعكس هذا النشاط قدرة المرأة اليمينة على استغلال المناسبات الاجتماعية لتحقيق استقلال مادي، وتحويل المهارات التقليدية إلى مشاريع تلبي احتياجات السوق المحلية، كما تساهم في بهجة العيد.
تدير لميس (28 سنة) مشروعها المنزلي البسيط كل عام، وتقول لـ"العربي الجديد": "أنتظر هذه الأيام بفارغ الصبر لأنني أجني بأدوات بسيطة وإمكانيات محدودة خلال عشرة أيام ما يعادل دخل أشهر. يبلغ الطلب ذروته مع اقتراب عيد الفطر، حين تتسابق النساء والفتيات للحصول على أجمل النقوش استعداداً للاحتفال بالعيد، خصوصاً المتزوجات اللواتي ينتظرن عودة أزواجهن من الغربة، أو المشاركات في حفلات زفاف يزدهر موسمها عادة خلال العيد".
ويلخص الباحث الاجتماعي عبد الوهاب عبيد، لـ"العربي الجديد"، واقع المشاريع الصغيرة في رمضان بأنه يجمع "بين الضرورة الاقتصادية وتغيير الصور النمطية. وقد خلقت الحاجة الماسة مساحات جديدة لعمل المرأة، لكنها في الوقت ذاته وضعت استدامة هذه المشاريع ومستقبل الأطفال على المحك".
ويتابع عبيد: "انخراط النساء والأطفال في مشاريع رمضان تمكين اقتصادي قسري فرضته الحرب، ويستغل زيادة الاستهلاك الموسمي لإطلاق أنشطة قليلة التكاليف، وهو يعكس القدرة العالية على التكيف، لكن لا يجب أن يتحوّل كفاح الأطفال إلى عمالة دائمة تهدد تعليمهم. من منظور اجتماعي، كسر هذا الحضور النسبي بعض الصور النمطية وعزز القبول المجتمعي لعمل المرأة، لكن غياب الدعم الرسمي وارتفاع التكاليف والمخاطر الميدانية يهدد استدامة هذه المشاريع ويبقيها في دائرة الاكتفاء المؤقت من دون قدرة حقيقية على التوسع أو الحماية القانونية".

أخبار ذات صلة.
6 أوسكارات لـ«معركة بعد أخرى»
الشرق الأوسط
منذ 5 دقائق
تونس... مجتمع في ظل الزنزانة
العربي الجديد
منذ 15 دقيقة
حريق وضيق ومضيق
العربي الجديد
منذ 16 دقيقة