عربي
من بين الملفات الإشكالية التي لا تزال عالقة بين دمشق و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، يبرز ملف المعتقلين والمفقودين لدى كلا الجانبين اللذين كما يبدو يتجهان إلى مقاربة هذا الملف خلال الأيام القليلة المقبلة من أجل طيّه والالتفات إلى ملفات أخرى. وفي أحدث التطورات على هذا الصعيد، قال قائد "قسد" مظلوم عبدي، أول من أمس السبت، إن قواته "تعمل لإعادة نحو 300 أسير من قواتها لدى الحكومة خلال الأيام المقبلة"، مشيراً، خلال مراسم تشييع جثامين عشرة مقاتلين من "قسد" في مقبرة مدينة عين العرب التابعة لمحافظة حلب، إلى أن العمل جار لإعادة جثامين مقاتلين قتلوا خلال الأشهر الماضية.
كما ذكرت مصادر مقربة من الفريق الرئاسي، المكلف بالإشراف على تطبيق الاتفاق بين دمشق و"قسد"، أن الفريق منهمك بإعداد قوائم المعتقلين لدى "قسد" للإفراج عنهم. وأكد المبعوث الرئاسي لمتابعة تنفيذ بنود الاتفاق العميد زياد العايش، في حديث مع وسائل إعلام محلية السبت، أن الدولة السورية عازمة على استلام السجون التي كانت تحت سيطرة "قسد" و"تحويلها إلى إدارة وزارة الداخلية بما يضمن إشراف الدولة الكامل عليها". وأضاف: "ستُخضَع هذه السجون لمسار قضائي واضح تحت إشراف وزارة العدل، وذلك لضمان تطبيق العدالة بشكل شامل". كما أكد التزام الدولة بـ"السعي المتواصل مع قيادة قسد لإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي وكل من تمّ إيقافه على خلفية الثورة السورية"، مشيراً إلى أن "الدولة السورية ستبدأ خلال الأيام القليلة المقبلة عملية الإفراج عن الدفعة الثانية من المعتقلين الذين تمّ إيقافهم في وقت سابق على خلفية مواجهتهم الدولة السورية خلال تنفيذ عمليات إنفاذ القانون في الفترات الماضية". وكان العايش قال قبل أيام إن ملف المعتقلين "يعدّ من أهم الملفات التي توليها الحكومة السورية اهتماماً خاصاً"، مشيراً إلى أن له دوراً في "تعزيز الثقة وإنجاح مسار الاندماج وترسيخ الاستقرار في المنطقة".
أرقام في صفقات
في موازاة ذلك، دعا ناشطون وفعاليات أهلية وحقوقية في محافظة دير الزور، التي كان يخضع جانب منها لسيطرة "قسد"، إلى "وقفة احتجاجية سلمية" صباح اليوم الاثنين في المدينة، لـ"تأكيد مطالبنا المحقة والشرعية بالإفراج عن المظلومين في سجون عصابة قسد والذين تمّ ترحيلهم إلى سجون العراق". وأشاروا في بيان إلى أن "أبناءنا ليسوا أرقاماً في صفقات سياسية". وكانت الولايات المتحدة رحّلت، في مارس/آذار الماضي، أسرى تنظيم "داعش" من سجون كانت تحت إدارة "قسد" إلى أخرى في العراق أكثر حماية، من بينهم آلاف السوريين.
كادار هوزان: تمّ توقيف عدد كبير في يناير بعد انسحاب قوات قسد من دير حافر والطبقة والرقة ودير الزور
وأوضح مدير مؤسسة "كرد بلا حدود" كادار هوزان، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن حديث مظلوم عبدي السبت عن 300 أسير المقصود به العدد المتوقع إطلاق سراحه خلال الدفعة المقبلة من التبادل، مضيفاً أن "عدد المعتقلين لدى الحكومة أكبر من ذلك". وأشار إلى أن لدى الحكومة معتقلين من منطقتي عفرين في ريف حلب ورأس العين في ريف الحسكة، مؤكداً أن لدى الحكومة "رهائن"، معرباً عن اعتقاده أن هناك إمكانية لإغلاق هذا الملف "الإنساني والحقوقي". وأشار هوزان إلى أنه "تمّ توقيف عدد كبير في يناير/كانون الثاني الماضي بعد انسحاب قوات قسد من دير حافر والطبقة والرقة ودير الزور"، موضحاً أنه "حتى اللحظة، لم يُحدّد عدد الأحياء والأموات، حكومة دمشق تماطل في هذا الملف". وبيّن أنه جرى السبت تشييع 27 جنازة لأشخاص قتلوا أخيراً، 10 منها كانت في عين العرب، و10 في الحسكة، و7 في القامشلي، لافتاً إلى أنه "في المقابل، هناك عدد كبير من المعتقلين لدى قوات قسد"، مشدداً على أن "إغلاق هذا الملف يعزز الثقة بين الجانبين".
من جهته، أكد رئيس المجلس الأعلى للقبائل والعشائر السورية مضر حماد الأسعد، في حديث مع "العربي الجديد"، أن "العدد التقريبي لعدد المعتقلين لدى قوات قسد هو 7 آلاف معتقل، ما عدا المغيبين قسراً والذين تمّ إعدامهم في المعتقلات والسجون السرية"، مقدراً عددهم بنحو 3 آلاف شخص. وأشار الأسعد، وهو مواكب من كثب لهذا الملف الإنساني، إلى أن هناك نحو 4 آلاف معتقل سوري جرى ترحيلهم إلى العراق "تحت ذريعة أنهم ينتمون إلى تنظيم داعش كانوا لدى قوات قسد"، مؤكداً أن "أغلبهم ليست لهم علاقة بالتنظيم لا من قريب أو بعيد". وقال إن قوات "قسد" اعتقلتهم خلال السنوات الماضية "لأنهم رفضوا العمل أو التعاون معها، أو كانوا ضمن صفوفها وانشقوا عنها فألصقت بهم تهمة الانتساب إلى التنظيم"، مضيفاً أن "هناك من بين المُرحلين إلى العراق أشخاصاً كانت تهمتهم رفع علم الجمهورية العربية السورية أو وضع صورة الرئيس أحمد الشرع على هواتفهم"، بحسب الأسعد.
مضر حماد الأسعد: هناك نحو 4 آلاف آلاف معتقل سوري رُحلّوا إلى العراق بذريعة انتمائهم لـ"داعش"، لكن أغلبهم ليست لهم علاقة بالتنظيم
معضلة المفقودين بين "قسد" ودمشق
وفي السياق، قال الباحث السياسي سامر الأحمد، في حديث مع "العربي الجديد"، أن "العدد التقديري لعدد المعتقلين لدى قسد غير واضح". وأوضح أن "ناشطين أحصوا في هذا المجال (أنا واحد منهم) أسماء 3 آلاف معتقل حتى اللحظة". وتابع: "العدد يبدو أكبر، فهناك عدد كبير من المفقودين والمعتقلين منذ سنوات". ورأى أن "الموضوع شائك، فقوات قسد لم تكشف حتى اللحظة أعداد المعتقلين لديها"، معرباً عن اعتقاده أنه "لا يمكن طيّ هذا الملف"، ومشيراً إلى أن هناك عدداً كبيراً من القتلى والمفقودين لدى القوات الكردية. وقال: "نحن أمام معضلة تشبه إلى حدّ بعيد معضلة المفقودين لدى النظام السابق، تبدو الأرقام هنا أقل ولكن الأساليب والأدوات لا تختلف".
سامر الأحمد: نحن أمام معضلة تشبه إلى حدّ بعيد معضلة المفقودين لدى النظام السابق
أما مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، فبيّن لـ"العربي الجديد" أن الشبكة وثّقت ما لا يقل عن 3705 حالات اختفاء قسري على يد قوات "قسد" منذ تأسيسها وحتى فبراير/شباط 2026، من بينهم 203 أطفال و109 نساء، إلى جانب 122 حالة وفاة تحت التعذيب خلال الفترة نفسها.
وكانت الحكومة السورية اتفقت مع قوات قسد في 29 يناير الماضي على وقف إطلاق النار، والبدء بإجراءات دمج هذه القوات والإدارات التابعة لها ضمن اتفاق شامل في مؤسسات الدولة السورية التي بدأت بالفعل تسلم جميع المؤسسات المدنية، والحكومية، والمعابر، والمنافذ في محافظة الحسكة أقصى الشمال الشرقي من البلاد. وفي هذا الصدد، قالت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع، أول من أمس السبت، إن "قوات الجيش العربي السوري تسلمت قاعدة رميلان بريف الحسكة بعد انسحاب قوات التحالف الدولي منها". وكانت قوات الجيش العربي السوري تسلمت في فبراير الماضي قاعدة الشدادي العسكرية بريف الحسكة، بعد التنسيق مع الجانب الأميركي. ومنذ مطلع فبراير 2026، حقّقت دمشق و"قسد" تقدماً في سير تطبيق الاتفاق بينهما، حيث دخلت قوات الأمن العام إلى مدينتي القامشلي والحسكة، كما جرى تسلّم المعبر الحدودي مع إقليم كردستان العراق والحقول النفطية من قبل الحكومة التي بدأت مطلع الشهر عمليات استجرار النفط الخام من حقول رميلان والسويدية، وعدد من الحقول الأخرى في محافظة الحسكة، بهدف دعم قطاع الطاقة وتحسين الإمدادات النفطية اللازمة لتشغيل المصافي وتلبية احتياجات السوق المحلية.

أخبار ذات صلة.
اضطراب الإمدادات يخيف أسواق العراق
العربي الجديد
منذ 24 دقيقة