عربي
يسود اعتقاد في الأوساط الصينيّة أنّ الحرب الدائرة في منطقة الشرق الأوسط قد تُلهم بكين في كيفية التعامل مع أيّ هجوم قد تتعرض له، في حال اتخذت خطوة عسكرية لاستعادة جزيرة تايوان بالقوة. ويرى محلّلون أنّ الضربات الإيرانية الانتقامية على الأصول العسكرية الأميركية في جميع أنحاء الشرق الأوسط بمثابة تمهيدٍ لكيفية استهداف الصين للقواعد الأميركية في الدول الآسيوية في حالة نشوب صراع بمضيق تايوان، وقال هؤلاء إنّ الضربات الانتقامية قد تُشكّل نموذجاً لنزاع محتمل في مضيق تايوان، إذ قد يفكّر الجيش الصيني في اتّخاذ إجراءات ضدّ حلفاء الولايات المتحدة الذين يستضيفون أصولاً عسكرية أميركية، مثل اليابان والفيليبين وكوريا الجنوبية.
تحدي الذكاء الاصطناعي
وبحسب تقرير صدر عام 2024 عن دائرة أبحاث الكونغرس، توجد في منطقة المحيطَين الهندي والهادئ 24 قاعدة أميركية دائمة، و20 موقعاً عسكرياً آخر يمكن لوزارة الدفاع الأميركية الوصول إليها. وتشمل القواعد الرئيسية، قاعدة كادينا الجوية في أوكيناوا، اليابان، وهي أكبر قاعدة جوية أميركية في شرق آسيا، بالإضافة إلى معسكر همفريز في بيونغتايك، على بعد حوالى 40 ميلاً جنوب العاصمة الكورية الجنوبية سيول. وفي عام 2023، وسّعت الفيليبين عدد المواقع العسكرية التي يمكن للولايات المتحدة الوصول إليها في البلاد إلى تسعة مواقع. وشمل ذلك أربعة مواقع جديدة، ثلاثة منها في جزيرة لوزون، غير البعيدة عن تايوان.
قد يفكّر الجيش الصيني في اتخاذ إجراءات ضد حلفاء الولايات المتحدة الذين يستضيفون أصولاً عسكرية أميركية
ورداً على الحرب التي أطلقتها الولايات المتحدة وإسرائيل منذ 28 فبراير/شباط الماضي على إيران، أطلق الحرس الثوري الإيراني صواريخ وطائرات مسيّرة على دول الخليج التي تستضيف قواعد ومنشآت عسكرية أميركية، بما في ذلك السعودية وقطر والبحرين والكويت. وشملت تلك الأهداف قاعدة العديد الجوية في قطر، وهي أكبر قاعدة عسكرية أميركية في منطقة الشرق الأوسط، وتُعدّ المقر الإقليمي للقيادة المركزية الأميركية.
في سياق متصل أيضاً، حذّر خبراء صينيون من المخاطر التي يشكّلها التكامل العميق للذكاء الاصطناعي في الجيش الأميركي، وقالوا إنّ مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي (28 فبراير) يكشف عن تخلف الصين في مجال الذكاء الاصطناعي العسكري مقارنة بالولايات المتحدة. واستشهد هؤلاء بالضربات الدقيقة على إيران والغارة السابقة على فنزويلا، للتحذير من مخاطر توظيف التكنولوجيا في العمليات العسكرية الأميركية، وحثّوا الصين على ضرورة تسريع التطبيقات العسكرية للذكاء الاصطناعي وتعميق الاندماج المدني العسكري لتضييق الفجوة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، مشيرين إلى أنّ بكين تخاطر بتكرار الأخطاء التاريخية إذا اقتصرت على استخدامات الذكاء الاصطناعي في الغالب على الاستخدامات المدنية أو الترفيهية وفشلت في تحويل التقنيات المتقدمة إلى قوة عسكرية حاسمة.
مقتل خامنئي كشف عن تخلف الصين في مجال الذكاء الاصطناعي العسكري مقارنة بالولايات المتحدة
في تعليقه على ذلك، قال المختصّ في الشأن الآسيوي في معهد فودان للدراسات والأبحاث، جينغ وي، في حديث لـ"العربي الجديد"، إنّ الصين تستخلص العبر من كل ما يحدث حولها، وتدرس جميع المعطيات وتتعلم من أخطاء الآخرين، وفي موازاة جهودها الدبلوماسية الحثيثة لتهدئة الحرب الدائرة حالياً في منطقة الشرق الأوسط، هناك مراقبة دقيقة لكل فعل وردّة فعل، خصوصاً ما يتعلق بالأنظمة العسكرية وطريقة توظيفها في الحروب المعاصرة.
دروس الصين ودروس أميركا
أما ما يتصل بمسألة استهداف القواعد الأميركية وإن كان يمكن تطبيق هذا السيناريو في منطقة المحيطَين، فقال إنّ الصين لا تكشف عادة عن أوراقها وخططها، ولكن ما يمكن قوله في هذا الشأن، إن الولايات المتحدة تدرك أن الصين ليست إيران أو فنزويلا، وتعلم جيداً القدرات العسكرية التي راكمها الجيش الصيني على مدار العقود الماضية، فضلاً عن ثورة التحديث العسكري التي أدخلها الرئيس شي جين بينغ، منذ توليه السلطة عام 2013، على قطاعات الجيش المختلفة. لذلك وفق قوله، ربما تكون واشنطن هي من ينبغي لها أن تتعلم الدروس من الأخطاء التي ترتكبها في منطقة الشرق الأوسط، وليس بكين.
وأضاف جينغ وي، أنّ استهداف القواعد العسكرية الأميركية، قد يدفع الولايات المتحدة إلى إعادة النظر في فكرة إسناد تايوان في حال اندلع صراع مع الصين في المضيق، كي تتجنّب هجوماً مماثلاً لما يحدث الآن. أيضاً، وفق رأيه، قد تكون الدول الحليفة لواشنطن في المنطقة مثل اليابان وكوريا الجنوبية والفيليبين، تراقب عن كثب الثمن الذي تدفعه اليوم دول الخليج باستضافتها للقواعد العسكرية الأميركية، وبالتالي قد تنأى بنفسها هي الأخرى عن التدخل في حال نشوب صراع بالمنطقة من أجل استعادة تايوان بالقوة العسكرية.
في المقابل، قال الباحث في العلاقات الدولية المقيم في هونغ كونغ، تشاو يين لونغ، في حديث مع "العربي الجديد"، إنه لا يوجد وجه مقارنة بين ما يحدث الآن في الشرق الأوسط وما قد يحدث في منطقة المحيطَين الهندي والهادئ في المستقبل، لعدة أسباب، منها: أنّ الولايات المتحدة لديها استراتيجية خاصة في المنطقة أنفقت عليها مليارات الدولارات، وقد أنشئت خصيصاً لاحتواء الصين والحد من التهديدات التي يشكلها تنامي نفوذها العسكري على جيرانها، كما أن الدول الحليفة لواشنطن، وفق شرحه، مثل كوريا الجنوبية واليابان، أقوى من دول الخليج التي لا تملك القدرات العسكرية والخبرات اللازمة للتعامل مع الأزمة، في ظلّ اعتمادها على المظلة الأمنية الأميركية، في حين أن طوكيو وسيول مصنّفتان ضمن الأقوى عسكرياً على مستوى العالم، وهذا يعزّز بطبيعة الحال حالة الردع في منطقة المحيطَين، الأمر الذي يحول دون قدرة بكين على ارتكاب سلوك متهوّر تجاه تايوان.

أخبار ذات صلة.
البجعة السوداء على تركيا
العربي الجديد
منذ 34 دقيقة