عربي
بعد الاستهداف العسكري الأميركي المكثف، لجزيرة خارج الإيرانية ذات الأهمية الاستراتيجية في تصدير النفط الإيراني، خرجت تهديدات طهران من إطار الرسائل الغامضة إلى معادلة صريحة عبّر عنها بيان للحرس الثوري، جاء فيه أن أي ضربة تطاول البنية التحتية للطاقة داخل إيران ستُترجم إلى استهداف منشآت النفط والغاز في عمق الخليج.
وهو ما تحقق عملياً باستهداف منشآت طاقة في الفجيرة بالإمارات، الأمر الذي سلط الضوء على تسارع "أزمة الممرات الملاحية" وانزلاقها إلى اختبار حقيقي لمرونة النظام النفطي العالمي وحدود الردع المتبادل بين طهران وواشنطن.
وعلى مستوى نيّات الرد الإيراني، تشير تحليلات غربية إلى أن إيران تسعى إلى ترسيخ معادلة ردع تقوم على التهديد بإشعال البنية التحتية للطاقة في الدول المرتبطة بالولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه تحاول استخدام هذه الورقة بشكل تصاعدي وليس دفعة واحدة؛ أي البدء بهجمات انتقائية على مرافق التخزين أو مرافئ التصدير أو السفن المرتبطة بسلاسل الإمداد، مع ترك مساحة للتراجع إذا تبدلت الحسابات السياسية، بحسب ما أورد تقرير نشرته صحيفة ذي إيكونوميك تايمز في 12 مارس/ آذار الجاري، وهو ما تعزز ترجيحه بتطورات الساعات الماضية.
ويرجح التقرير ذاته أن تشهد الأسابيع المقبلة استمرار هجمات الطائرات المسيرة والصواريخ على أهداف ذات بعد رمزي أو لوجستي، أكثر من الانتقال الفوري إلى ضرب حقول الإنتاج الكبرى التي قد تُدخل واشنطن في مسار تصعيد لا ترغب فيه حالياً، وهو ما يفسر تجنب الطائرات الأميركية ضرب البنية التحتية النفطية في خارج، رغم الاستهداف المكثف للجزيرة الاستراتيجية.
وعلى صعيد الأسعار في الأجل القصير، يقدر محللو أسواق الطاقة أن صدمة الأسابيع المقبلة ستظل متركزة في "علاوة المخاطر" أكثر من كونها فقداناً هيكلياً كبيراً في المعروض، مع سيناريوهين رئيسيين للأيام والأسابيع القادمة: يتمثل الأول في استمرار وتيرة الهجمات الحالية مع بقاء المنشآت الأساسية عاملة، فيبقى السعر في نطاق مرتفع لكنه مستقر نسبياً.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في تعطل إضافي في مرافئ رئيسية أو خطوط أنابيب، بما يدفع الأسعار إلى الارتفاع فوق 110 دولارات للبرميل، مع تقلبات حادة في عقود الشهر القريب، بينما تبقى العقود الأبعد أقل حساسية ما دام المستثمرون يتعاملون مع الأزمة بوصفها حدثاً قابلاً للاحتواء، بحسب ما أورد تحليل أسواق نشرته مجلة جورنال أوف بتروليوم تكنولوجي في 8 مارس الحالي.
غير أن العقدة الحقيقية في الأسابيع المقبلة تكمن في الملاحة عبر مضيق هرمز ومدى الاستهداف المكثف لبنية الطاقة في المنطقة، أكثر من كونها في حجم إنتاج النفط والغاز، بحسب تقدير محللي اقتصاد لـ"العربي الجديد".
فمع تزايد استهداف السفن التجارية وهجمات الطائرات المسيرة، تجمعت عشرات الناقلات في الممر والمياه المجاورة بانتظار ضمانات أمنية وتأمينية، ما قيّد فعلياً تدفق جزء مهم من إمدادات النفط والغاز نحو الأسواق العالمية، وأجبر بعض الشركات على إعادة تقييم جدوى المرور من المضيق في ضوء ارتفاع أقساط التأمين البحري إلى مستويات "رادعة" بالنسبة لمشغلي السفن الأقل ربحية.
وإزاء ذلك، فإن أي هجوم واسع خلال الأيام المقبلة على بنية إنتاج الطاقة في الخليج من شأنه أن يترجم إلى تعطيل إضافي في شحنات الخام والغاز، وارتفاع جديد في تكلفة الطاقة للمستهلكين في آسيا وأوروبا، من دون الحاجة إلى تدمير واسع لمنشآت الإنتاج ذاتها، بحسب ما أورد تحليل سابق نشرته شبكة دويتشه فيله الألمانية في 3 مارس الحالي.
ولذا تحذر تقديرات غربية من أن استمرار هذا النمط من "حرب الاستنزاف" خلال الأسابيع القليلة المقبلة سيبقي الاقتصاد العالمي في حالة توتر حاد، تتمثل في بنوك مركزية تواجه موجة تضخمية جديدة مدفوعة بالطاقة، وشركات شحن وسلاسل إمداد تعيد رسم خرائطها تحت ضغط المخاطر الأمنية وارتفاع تكاليف التأمين، بينما تتأرجح دول الخليج بين استفادة مالية قصيرة الأجل من الأسعار المرتفعة وبين مخاطر أمنية واستثمارية متصاعدة على موانئها ومنشآتها الساحلية، بحسب المحللين.
هذه المعادلة تدفع عواصم دول مجلس التعاون إلى تكثيف الضغوط الدبلوماسية لاحتواء التصعيد قبل أن يتحول مسار الأسابيع المقبلة إلى "سيناريو يوم القيامة"، المتمثل في تدمير متبادل لمنشآت الطاقة في منطقة الخليج، بما يؤشر إلى أزمة أعمق قد تؤثر في اقتصاد العالم كله لمدة لا تقل عن نهاية العام الجاري، وفق المحللين.
رسالتان من إيران
في هذا الإطار، تشير الخبيرة في الشأن الإيراني، شيماء المرسي، في حديثها لـ"العربي الجديد"، إلى أن الرد الإيراني على الإعلان الأميركي بشأن تدمير أهداف عسكرية في جزيرة خارج جاء بتصعيد سريع يستحضر الصمود التاريخي للجزيرة، موضحة أن الوكالات الإيرانية قارنت بين التهديدات الحالية وحرب الثماني سنوات (1980–1988) بين إيران والعراق، حيث تعرضت الجزيرة لنحو ألفي غارة جوية من دون أن يتوقف تدفق النفط كلياً، بل حافظت على معدل تصدير يومي بلغ مليوناً ونصف المليون برميل.
ويعكس الرد الإيراني، بحسب المرسي، رسالة طمأنة للأسواق بأن الإمدادات ستستمر لمنع الانهيار الاقتصادي الفوري الناتج عن الذعر، خاصة مع ارتفاع صادرات طهران الحالية إلى 2.1 مليون برميل يومياً يتجه معظمها إلى الصين.
وفي المقابل، جاء نشر المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء الإيراني تحذيراً صريحاً من تحويل جميع المنشآت النفطية والاقتصادية التابعة للشركات الأميركية، أو المتعاونة معها، في المنطقة إلى "كومة من الرماد" في حال استهداف البنية الإيرانية، ليمثل رسالة ثانية تفتح الباب أمام سيناريوهات أخطر تتجاوز مضيق هرمز لتشمل استهداف البنى التحتية في عموم منطقة الخليج، بالتزامن مع تحريك ورقة الحوثيين لتعطيل الملاحة في باب المندب.
وفي حال تحولت هذه التهديدات إلى واقع، تتوقع المرسي قفزة حادة في أسعار خام برنت ليصل إلى سقف يراوح بين 150 و200 دولار للبرميل، ما قد يسبب شللاً تاماً لسلاسل الإمداد العالمية ويحوّل الخليج بالكامل إلى ساحة معركة مفتوحة. وتشير إلى أن هذا التصعيد الخطير قد يدفع السعودية ودول المنطقة الأخرى إلى التدخل السريع لمنع الإدارة الأميركية من المراهنة بأمن الاقتصاد الخليجي، خاصة أن استمرار هذا الوضع من شأنه أن يؤدي إلى قطع الإمدادات عن أوروبا والأميركتين، في خطوة انتقامية شاملة تعيد رسم خريطة تدفقات الطاقة العالمية.
وترى المرسي أن أمر الحرس الثوري الإيراني بإخلاء الموانئ وأرصفة السفن الإماراتية يأتي في إطار "أسلوب كلاسيكي" للقيادة الإيرانية يجمع بين إثارة الذعر وتبرئة النفس من التداعيات المستقبلية، في سياق تنفيذ الوعيد الذي أطلقه المرشد الأعلى مجتبى خامنئي باستمرار استهداف القواعد والمصالح الأميركية ما لم يتم إغلاقها.
فاستهداف موانئ الإمارات تحديداً يستهدف "الرئة الاقتصادية" للمنطقة، بحسب تعبير المرسي، مستشهدة بتصريحات خامنئي بشأن "حق إيران في أخذ تعويضات خسائرها عنوة أو تدمير مصالح الأعداء وحلفائهم إذا لم يتم تعويضها أو إذا استمر استهداف مصالحها"، وهو ما يضع المنطقة على شفا هاوية صراع شامل قد تكون تداعياته الاقتصادية كارثية على المدى القصير والمتوسط، وفق تقديرها.
سيناريو كارثي
وفي السياق ذاته، يرجح الباحث في الاقتصاد السياسي مصطفى يوسف أن يتجه الرد الإيراني نحو استهداف منشآت الطاقة في الخليج، ويحذر من دخول المنطقة في ما يُعرف بـ"سيناريو يوم القيامة" إذا لم تتوقف الحرب.
ويشير إلى أن الضغوط التي يمارسها المتطرفون في الإدارة الأميركية وحلفاؤها قد تدفع نحو هذا السيناريو الكارثي، إلا أن الحسابات السياسية للجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي تجعلهم حريصين على تجنب انهيار اقتصادي فادح، ما قد يدفع الرئيس دونالد ترامب في النهاية إلى وقف العدوان والعودة إلى طاولة المفاوضات عبر وسطاء تحترمهم طهران مثل عُمان وقطر وتركيا، خاصة مع إدراك واشنطن أن النظام الإيراني لن يسقط بسهولة وأن المواجهة الشاملة تعني موتاً محققاً للطرفين.
وفي حال استمرار التصعيد العسكري وضرب المنشآت النفطية بشكل مفتوح، يتوقع يوسف قفزة أسعار النفط فوراً لتتجاوز 150 دولاراً للبرميل، مع احتمالية تضاعف أسعار الغاز مرات عدة حتى يتم التوصل إلى حلحلة للأزمة.
ويوضح أن هذه الزيادة الجنونية ستترجم إلى ارتفاع فلكي في تكاليف التأمين والنقل والشحن، ما يضرب سلاسل الإمداد العالمية ويسبب تدهوراً معيشياً فظيعاً للطبقات الوسطى والفقيرة في العالم أجمع، كما سيؤدي إلى زيادة أعباء الديون وارتفاع أسعار الفائدة بدلاً من انخفاضها، ما يعمق الأزمة الاقتصادية العالمية ويجعل تداعياتها أشد وطأة من مجرد صدمة سعرية عابرة.
ويلفت يوسف إلى أن الواقع المعقد على الصعيد الميداني يصطدم بلغة الوعيد الأميركي، حيث فرضت السيطرة الفعلية للحرس الثوري على مضيق هرمز واقعاً اقتصادياً مريراً أثبت أن القوة العسكرية وحدها لم تعد كافية لتأمين تدفقات الطاقة.
ويلفت الباحث في الاقتصاد السياسي إلى ما وصفه بـ"ذكاء طهران في اللعب بورقة البدائل النقدية"، من خلال دراسة مقايضة مرور الناقلات بالدفع باليوان الصيني بدلاً من الدولار، معتبراً إياها خطوة استراتيجية تهدف إلى كسر الهيمنة الأميركية وتعميق مأزق واشنطن التي فشلت حتى الآن في اختراق الجبهة الداخلية الإيرانية أو تعطيل برامجها، ما يضع ترامب أمام خيارين لا ثالث لهما: إمّا حرب شاملة غير مأمونة العواقب، وإمّا مخرج دبلوماسي يحفظ ماء الوجه.
وفي ما يخص تداعيات إغلاق شريان الطاقة العالمي، يؤكد يوسف أن الارتباك الواضح في الموقف الأميركي بين نفي الإغلاق تارة والتهديد بمرافقة الناقلات تارة أخرى يعكس عجزاً عن إيجاد حلول فورية، خاصة مع القفزات الحادة في أسعار الغاز الأوروبية التي تجاوزت 50%.
ويخلص يوسف إلى أن البدائل الإقليمية المطروحة، مثل ضخ النفط السعودي عبر أنابيب البحر الأحمر، تبقى مجرد "مسكنات مؤقتة" لا تغني عن الثقل الاستراتيجي لمضيق هرمز، ما يزيد الضغط الأوروبي على واشنطن لإنهاء الحرب خوفاً من انهيار اقتصادي شامل، في وقت تصر فيه إيران على شروطها لضمان عدم تكرار الهجوم، ما يضع الإدارة الأميركية في زاوية حرجة بين الطموحات السياسية لترامب وضرورة استقرار السوق العالمي.
