السوشيال ميديا ونقد الفن والأدب
عربي
منذ ساعة
مشاركة
لطالما كان الفن بمختلف أنواعه، والأدب بتنوع أجناسه، مرآةً للمجتمعات وصورةً تعكس هويتها الحضارية والثقافية. وكان، ولا يزال، وسيبقى مجالاً للنقد والجدل، وهو أمر طبيعي وصحي يسهم في تطور الذائقة الفنية والأدبية. في الماضي، كان الأدب والفن عرضة للسجالات والنقد الثقافي بين المثقفين، وكانت تلك النقاشات تدور غالباً في المنتديات الثقافية والصالونات الأدبية والجلسات الفنية العريقة. غير أن هذا المشهد تغير إلى حدّ ما مع ظهور الشبكة العنكبوتية وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي بين مختلف شرائح المجتمع. فقد وفّرت هذه المنصات فضاءات واسعة للتعبير عن الرأي، وأصبحت متنفساً لطرح قضايا متعددة، من بينها قضايا الأدب والفن. ومع هذا الانفتاح ظهرت ظواهر جديدة لم تكن مألوفة في النقاشات الثقافية التقليدية. فبدلاً من تقبّل اختلاف الآراء، أصبحنا نلاحظ أحياناً رفضاً للرأي الآخر، بل وظهور تعليقات جارحة أو ألفاظ غير لائقة في بعض النقاشات. ويبدو أن بعض المستخدمين ينسون أن الفن والأدب فضاءان رحبان يتسعان لتعدد الأذواق واختلاف وجهات النظر، وأن كثيراً من القضايا الفنية والأدبية لا تقوم على حقائق مطلقة بقدر ما تقوم على آراء وتجارب شخصية قد تصيب وقد تخطئ. وقد أدى انتشار هذه الأنماط من التفاعل إلى ظهور أساليب تعبير بعيدة عن روح الحوار الحضاري، وهو ما يُعد من أبرز السلبيات المرتبطة بالنقاشات الثقافية عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فبدلاً من أن يكون هذا الفضاء مجالاً مفتوحاً لتبادل الرأي والنقد البناء، أصبح في بعض الأحيان ساحة للجدل الحاد والتعصب لوجهات نظر شخصية. أصبحنا نلاحظ أحياناً رفضاً للرأي الآخر، بل وظهور تعليقات جارحة أو ألفاظ غير لائقة في بعض النقاشات كما ساهمت طبيعة المجتمعات التي نعيش فيها في تكريس بعض المسلّمات حتى في القضايا الفنية والأدبية، رغم أن هذه القضايا تعتمد في جزء كبير منها على الذوق الفردي. ومن هنا قد تتحول مسألة بسيطة تتعلق بالتفضيل الفني إلى جدل حاد يتجاوز حدود النقاش الطبيعي. ويحضرني في هذا السياق موقف مررت به أخيراً، حين دار نقاش على إحدى منصات التواصل الاجتماعي حول سؤال بسيط: من هي المطربة الفضلى؟ كانت الخيارات المطروحة متعددة، ومن بينها فيروز وأسمهان وأم كلثوم. وضعت ترتيباً شخصياً للأسماء وفق ذائقتي الفنية، معتقدة أن الأمر لن يتجاوز حدود تبادل الآراء. لكن المفاجأة أن بعض التعليقات تحولت من نقاش فني عادي إلى عبارات غير لائقة، فقط لأنني لم أضع أم كلثوم في المرتبة الأولى. هذا الموقف أثار في ذهني تساؤلات عدة. فهل يمكن أن تتأثر مكانة مطربة كبيرة مثل أم كلثوم أو فيروز أو أسمهان بسبب رأي فردي أو تفضيل شخصي؟ بالتأكيد لا، فلكل منهن جمهور واسع من المحبين والمستمعين الذين يقدّرون فنها. هل تستحق قضية فنية بحتة، لا تتعلق بأي شأن مصيري أو سياسي، هذا القدر من الهجوم والانفعال الذي قد يصل إلى استخدام ألفاظ غير لائقة؟ كما يبرز سؤال آخر: هل تستحق قضية فنية بحتة، لا تتعلق بأي شأن مصيري أو سياسي، هذا القدر من الهجوم والانفعال الذي قد يصل إلى استخدام ألفاظ غير لائقة؟ ربما يعكس هذا الأمر، في جانب منه، ضعفاً في فهم نسبية الصواب والخطأ في القضايا المرتبطة بالذوق والثقافة. وهنا يحضر قول الكاتب حسن سامي يوسف في روايته عتبة الألم: "قد أكون على خطأ، ولكن هذا لا يعني أنك على صواب". لقد أصبح الفن والأدب، في كثير من الأحيان، ساحة لصراعات طائفية أو مذهبية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بل إن رقعة هذا السلوك اتسعت أحياناً لتصل إلى حد التخوين والتشكيك. ومن هنا يمكن القول إن السوشيال ميديا تُستغل في أحيان كثيرة استغلالاً سلبياً أكثر من استخدامها الإيجابي. ولا يقتصر هذا الأمر على قضايا الفن والأدب، بل يمتد إلى معظم القضايا المطروحة للنقاش على هذه المنصات، حيث يظهر بعض أصحاب الحسابات وكأنهم يمسكون بمعول لهدم الآخر وتسفيه آرائه، وأحياناً الإساءة إليه أو تخوينه.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية