عربي
خلال تجوالي بين أزقة المدينة عرّجتُ على صديقي الكتبي (بائع الكتب). تطلعتُ إلى الكتب المعروضة على المصطبة الخشبية، الموضوعة على البسطة، أمام المحلّ الضيق. أثار انتباهي اسم هاروكي موراكامي، أحد أكثر الروائيين قربًا إلى قلبي. أخذتُ الكتاب بين يدي وقرأت اسم الرواية: "تسوكورو تازاكي... عديم اللون وسنوات حجه". منحتُ صديقي بعض الدراهم وأخذتُ لقيتي الثمينة مفعمًا بنشوة الاختلاء بها في أقرب وقت ممكن.
حالما أصبحت الرواية بين يدي، اجتاحني إحساس غريب بالراحة والفرح، كأنّ روحًا وليدة تلبّستني وأنهت حالة الكدر التي رافقتني في الأسابيع القليلة الماضية. استغربتُ للسرعة التي تغيّر بها مزاجي. قلت لنفسي الحائرة من هذا التبدّل الفجائي: "ما كان ينقصني إلا رواية جديدة لتتبخّر المشاعر السوداء التي لاحقتني، ولأستعيد من جديد طعم الحياة التي افتقدت".
كانت دائمًا تربطني بالكتب علاقة حميمة، حالما أراها أنجذب إليها كعاشق مُتيّم، فأقصدها على الفور من دون تفكير. هذه العادة سكنتني على ما أذكر منذ المراهقة. ومن العادات التي درجتُ عليها في تلك السن، أنّني وجماعة من رفاق الدرب في حي تراب الصيني القريب من شارع الرباط، الشريان النابض بالحياة في المدينة، كنا كلّ يوم أربعاء (إن لم تخني الذاكرة) نقوم بجولة على دور السينما الثلاث (الروكسي، والأطلس، ورويال) القريبة إحداها من الأخرى لنتعرف على آخر الأفلام التي ستُعرض في الأسبوع التالي، بما أنّ المسؤولين كانوا يغيّرون البوستيرات خلال ذلك المساء. في بعض المرّات، وبينما كنت أقوم بالجولة وحدي (لأنّي لم أتجرّأ آنذاك على مشاركة شغفي بالقراءة مع أصدقائي الذكور. ففي العرف المسيطر، أنّ قراءة الروايات والكتب على العموم من الهِوايات التي تُقبل عليها الفتيات) عرّجت على المكتبتين (النسير، الشباب) الموجودتين على خطّ الجولة. وقفت طويلًا أمام واجهتيهما الزجاجية، وأنا أتطلّع إلى الكتب المعروضة وأهيم في الأغلفة الزاهية الصقيلة للروايات الفرنسية المزيّنة بلوحات لرسامين عالميين.
ما كان ينقصني إلا رواية جديدة لتتبخّر المشاعر السوداء التي لاحقتني، وأستعيد من جديد طعم الحياة التي افتقدتُ
في تلك الفترة، ومع حالة الفقر التي تعيشها أسرتي وعدم إمكانية شراء الكتب الجديدة، كنت أستعيض عن ذلك باستعارة الكتب القديمة من بائع الكتب القديمة أو بائع المُكسّرات مقابل بعض السنتيمات (في ذلك الزمان كانت تجارة إعارة الكتب رائجة جدًّا) أو من مكتبة المدرسة، حيث وجدتُ كتابًا كان له تأثير الصدمة على بنيتي الذهنية، وربّما على حياتي برمتها.
في أحد الأيّام، وأنا أمسح بعيني عناوين الكتب الموضوعة على الرفوف في مكتبة المدرسة العابقة برائحة الرطوبة التي تُضيّق الأنفاس، وجدتُ رواية "الغريب" لألبير كامو باللغة الفرنسية التي قرأتُ عنها الكثير، بما أنني كنت مواظبًا على قراءة الملاحق الأدبية للجرائد الوطنية، حين تتوافر لديّ بعض الدراهم لاقتنائها. من المعروف أنّ اللغة الفرنسية التي كُتبت بها الرواية بسيطة في متناول الجميع. استطعت قراءة وفهم مضمون الرواية وأفقها المعرفي بسهولة، والغريب في الأمر أنني قمتُ بذلك في ثلاثة أيّام فقط، ولو توافر لي الوقت لكنت قد قرأتها في جلسة واحدة، لأنني لم أستطع أن أضعها جانبًا حالما فتحتها، إلا مضطرًّا.
كانت رواية "الغريب" لألبير كامو أوّل الكتب وأكثرها تأثيرًا على نظرتي للحياة والوجود، وربّما أنا مدين لها بما أنا عليه الآن، فحالما أكملتُ الرواية عرفتُ بالضبط ما أودّ أن أكونه في المستقبل. أردتُ أن أكون كاتبًا، وبالضبط كاتب روايات.
أخبار ذات صلة.
باب الدبلوماسية مغلق مع اشتداد الضربات
الشرق الأوسط
منذ 20 دقيقة