الانتخابات الألمانية تحت تأثير الذكاء الاصطناعي
عربي
منذ ساعة
مشاركة
بعد انتخابات ولاية بادن-فورتمبيرغ الألمانية التي جرت في الثامن من مارس/آذار الحالي، لا تزال عدة استحقاقات انتخابية مهمة تنتظر الولايات الألمانية خلال ما تبقى من عام 2026. وفي ظل هذا المسار الانتخابي المتواصل، يستخدم حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني الشعبوي، لاستقطاب الأصوات والتصويب ضد منافسيه، وسائل التواصل الاجتماعي استخداماً احترافياً أكثر من نظرائه من الأحزاب التقليدية، وبالأخص تقنية الذكاء الاصطناعي. يمثّل هذا أمراً خطيراً في الحملات السياسية، وسط معلومات تفيد بأن الحزب يتعاون مع وكالات وخبراء اتصالات. ما يلفت الانتباه في حسابات مرشحي "البديل" على وسائل التواصل الاجتماعي، بينها "إنستغرام" و"فيسبوك"، كثرة الصور والفيديوهات المولدة كاملة بواسطة الذكاء الاصطناعي لشدّ الناخب بأي ثمن، من خلال خلق أجواء من الخوف وإثارة المشاعر عمداً ضد مؤسسات محددة، واستغلال الأفراد، مع افتقار كثيرين منهم إلى مهارة التمييز والتدقيق بين محتوى المقاطع المزيفة والحقيقية. هنا، يرى محللون أن حملة "البديل"، خصوصاً في منشوراتها حول الأمن الداخلي، تثير سيناريوهات رعب. وفي السباقات الانتخابية الحالية في عدد من الولايات، يحاول حزب البديل من أجل ألمانيا إظهار الوعود بمستقبل مثالي بوجوده في الحكم، في حين تستخدم الصور لإظهار الوضع البائس الذي يفترض أنه سيتحقق في حال عدم التصويت له، إلى جانب كثافة حضور النساء المحجبات في الشوارع، وكذلك الرجال من أصحاب البشرة الداكنة. أي إن "البديل" لا يكتفي بالوصف بالكلمات، بل يسعى إلى تجسيد العرض بمقاطع مصورة ومزيفة مصممة لتضخيم المشاعر عمداً، وبالتالي استحضار الحنين إلى الماضي، إذ تشير المقاطع إلى جماليات الوضع في العقود الماضية، مع محاولات تقزيم سياسيي الأحزاب المنافسة. مع تعدد الاعتبارات، أنتج عضو برلمان ولاية مكلنبورغ-فوربومرن عن حزب البديل من أجل ألمانيا، مارتن شميدت، فيديو باستخدام تقنية الذكاء الاصطناعي، ينتقد فيه رئيسة الوزراء في ولايته، المنتمية إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي، مانويلا شفيسيغ، ونشره على مواقع التواصل الاجتماعي، زاعماً فيه أنها تسخر من حملته الانتخابية، وتتحدث في تقرير تلفزيوني من غرفة المعيشة، واصفاً إياها بأنها تفتقر إلى العمق. أكد شميدت مع شبكة "أن دي آر" الإخبارية صحة الفيديو، وأنه أُنتج بمساعدة الذكاء الاصطناعي وسُوّق على أربع منصات للتواصل الاجتماعي، بينها "فيسبوك" و"إنستغرام". لم ينفِ أن المقطع ساخر، مشيراً إلى أنه أمر لا بد لرئيسة الوزراء أن تتقبله، لكن الفيديو كان محل استنكار حزبها الاشتراكي، الذي وصف المقطع بأنه حملة انتخابية قذرة، مؤكداً أنه لا يتوقع من الحزب اليميني الشعبوي سوى الهجمات المغرضة والتزييفات أيضاً في ولايات مكلنبورغ-فوربومرن وبادن-فورتمبيرغ وراينلاند-بفالز. في خضم ذلك، نقلت المنصة الإخبارية البافارية، بايريشر 24، عن خبراء، أن نطاق وصول منشورات المؤثرين المدعومين بالذكاء الاصطناعي يحمل في طياته إمكانات للنجاح في المستقبل. ورأت العاملة في معهد آن فرانك التعليمي، ديبورا شنابل، أن المؤثرين يمثلون تطوراً لشبكات الروبوتات أو المتصيدين الإلكترونيين التقليدية، وأن هناك استراتيجية وراء ذلك.  أضافت أن اليمين المتطرف يولي اهتماماً بالغاً لما يلقى رواجاً على منصات التواصل الاجتماعي، وما الاتجاهات التي يمكن استغلالها. وهم ينشئون حسابات لنشر مقاطع مصورة وفيديوهات خاصة باستخدام الذكاء الاصطناعي، ضمن ما يمكن تسميته بالحملات الانتخابية لصالح حزب البديل من أجل ألمانيا. والخشية أن يتطور الأمر مع مرور الوقت، ويُستفاد منها أكثر، في ظل احتدام الحملات الانتخابية، مع استمرار تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي. وعن كيفية تزخيم هذه الدعاية، اعتبر مراقبون أن الترويج لطروحات "البديل" عبر هذا النوع من الفيديوهات نموذجي لاستراتيجيته وحملته الانتخابية، إذ يسعى إلى التحشيد للانتخابات بمهاجمة مرشحي الأحزاب الأخرى شخصياً. في السياق، نقلت شبكة "إيه آر دي" الإخبارية عن أستاذ إدارة التواصل في جامعة لايبزيغ، كريستيان هوفمان، قوله إنه ليس من الضروري تصحيح كل معلومة مضللة، فعندما تتناول وسائل الإعلام والتواصل الجماهيرية هذه المعلومات لتصحيحها، فإنها غالباً ما تحقق انتشاراً أوسع بكثير مما كان عليه. منشورات حزب البديل أكثر بـ36% من المسيحي الديمقراطي أما الخبير في وسائل الإعلام التقليدية، أندرياس يونغهر، فاعتبر أن وسائل التواصل تشوّه إدراكنا سلباً. فبسبب كثرة الحديث عن الاستياء والمشكلات، يُنظر إلى وضع البلاد على أنه أسوأ مما هو عليه. أما الخبير الآخر فيليب مولر؛ فيعوّل على وعي المجتمع، وبدا متفائلاً بأن البشرية لن تنحرف تماماً عن المسار الوسط، بسبب تشوهات وسائل التواصل الاجتماعي، وبالمبالغة في التركيز على المواقف المتطرفة، أو مشكلات مثل خطاب الكراهية. وفق المعطيات، يفوق عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي لدى "البديل" بكثير أعداد مستخدمي الأحزاب الأخرى، رغم محاولة الأحزاب التقليدية تضييق الفجوة، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المتتالية هذا العام، بينها في سكسونيا-أنهالت. وفي هذا الإطار، نشر موقع بوليتيك كومينكاسيون أخيراً تحليلاً بخصوص استراتيجيات الأحزاب، برهن فيه أن البديل يهيمن على وسائل التواصل الاجتماعي بنحو 100 ألف منشور، ويعتمد استراتيجية تواصل جماهيري تقوم على الحضور الدائم، مشيراً إلى أن اليمين الشعبوي لديه منشورات بنسبة 36% أكثر من حزب المستشار فريدريش ميرز، الحزب المسيحي الديمقراطي. وكشف التقرير أن تحليل المنصات يظهر أولويات مختلفة للأحزاب؛ فعلى "فيسبوك" يحافظ حزب البديل على موقعه المهيمن متقدماً بفارق كبير عن الأحزاب الأخرى. في المقابل، يبرز الحزب الاجتماعي المسيحي في بافاريا نشطاً جداً على "إنستغرام"، يليه الحزب الليبرالي الحر، ثم حزب اليسار، وبعدهم "البديل من أجل ألمانيا" بعدد منشورات أقل، لكن اليمين الشعبوي يتصدر مجدداً "يوتيوب"، ما يدل على أن استراتيجيته لا تقتصر على الجانب الكمي فقط، بل تعكس نهجاً مختلفاً وجذرياً في التواصل الرقمي، ودليلاً على الانخراط في تواصل مستمر وعالٍ مع الجمهور حتى خارج فترات الانتخابات. ومع هذه الأرقام بالغة الدلالات، بيّنت تعليقات أنه يمكن الاستنتاج بأن تفاعل المستخدمين مع المنشورات حاصل بفعل التعبئة الرقمية، وهناك استجابة غير مسبوقة لمناصري "البديل" على وسائل التواصل الاجتماعي، إذ بلغت أكثر من 140 مليوناً في التفاعل العام مع محتواه، فضلاً عن المشاهدات التي بلغت 2.6 مليار مشاهدة، وأهمها على "فيسبوك" و"إنستغرام" و"يوتيوب"، بزيادة أربعة أضعاف عن صاحب المركز الثاني "المسيحي الديمقراطي". يبلغ متوسط عدد المشاهدات لكل منشور لدى حزب البديل نحو 30 ألف مستخدم. في خضم ذلك، شرحت مستشارة التواصل الاجتماعي والخبيرة في علوم الاتصال وبحوث الإعلام، نينا سكافيلو، لصحيفة نوردكورير، كيف يمكن لـ"تيك توك" أو "إنستغرام" التأثير في نتائج الانتخابات والمنافسة السياسية وكيف تسوّق الأحزاب لنفسها، بعدما أضحت هذه المنصات عنصراً بالغ الأهمية في الحملات الانتخابية ومثالية للوصول إلى عدد هائل من الناس دفعة واحدة. أوضحت أن "إنستغرام" يمثّل الآن إحدى أكثر المنصات استخداماً في ألمانيا، فيما يكتسب "تيك توك" أهمية متزايدة وبات البالغون نشطين عليه أيضاً. واعترفت بأن ما يزيد الطين بلة أن حزب البديل اليميني الشعبوي يتمتع بحضور رقمي كبير، وأخباره تضفي طابعاً عاطفياً ودرامياً على القضايا المؤثرة، فيما تحتاج الأحزاب الأخرى إلى المزيد من التجارب والتطوير، بينها في ولاية مكلنبورغ-فوربومرن. وإذ تلفت سكافيلو إلى أن الناس يصوتون للأشخاص، فإن الأمر لا يقتصر على عرض البرامج والشعارات الانتخابية فحسب، بل يشمل أيضاً التفاعل الشخصي.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية