عربي
ترتفع أسعار وقود الطائرات في ظل الحرب في المنطقة، التي عطّلت جزءاً من الإمدادات العالمية للنفط، ما يفرض ضغوطاً متزايدة على تكاليف شركات الطيران مع اقتراب موسم السفر الصيفي المزدحم. ويرى خبراء في قطاع الطيران أن السؤال لم يعد ما إذا كانت أسعار تذاكر السفر سترتفع، بل متى ستبدأ الزيادة، وإلى أي مدى قد تصل، وكم ستستمر. ومن المرجح أن يكون التأثير الأكبر بالرحلات الدولية الطويلة، التي تستهلك كميات أكبر بكثير من الوقود مقارنة بالرحلات القصيرة.
وقد سارعت بعض شركات الطيران خارج الولايات المتحدة إلى إعلان زيادات في الأسعار أو فرض رسوم وقود إضافية لتعويض النفقات المتصاعدة. وفي الولايات المتحدة، حذّر الرئيس التنفيذي لشركة United Airlines، سكوت كيربي، من أن زيادات أسعار التذاكر ستبدأ على الأرجح بسرعة مع انتقال تأثير ارتفاع تكاليف الوقود إلى السوق.
لماذا ترتفع أسعار وقود الطائرات؟
يرتبط ارتفاع أسعار وقود الطائرات مباشرةً بتقلبات سوق النفط العالمية، التي تفاقمت بسبب الحرب في المنطقة. فقد أدت الحرب إلى تعطيل صادرات النفط وعرقلة حركة الشحن، ما دفع بعض كبار المنتجين مثل الكويت والسعودية والعراق إلى تقليص الإنتاج في ظل العقبات المتزايدة أمام عمليات النقل. كذلك نفذت إيران هجمات استهدفت سفناً تجارية في الخليج العربي وبنى تحتية نفطية في دول خليجية، وذلك عقب ضربات أميركية وإسرائيلية. وأسهمت هذه التطورات في تعطيل الملاحة عبر Strait of Hormuz، وهو ممر بحري ضيق يمر عبره نحو خُمس الإمدادات النفطية في العالم.
وقد انعكس هذا التوتر على أسعار الوقود المكرر، بما في ذلك وقود الطائرات. ووفق مؤشر Argus لوقود الطائرات في الولايات المتحدة، بلغ متوسط السعر نحو 3.99 دولارات للغالون يوم الجمعة، مقارنة بـ2.50 دولار للغالون قبل اندلاع الحرب بنحو أسبوعين. كذلك تظهر بيانات مكتب إحصاءات النقل التابع لوزارة النقل الأميركية أن شركات الطيران الأميركية دفعت نحو 2.36 دولار للغالون في يناير/ كانون الثاني، وهو أحدث رقم متاح.
ضغوط متزايدة على شركات الطيران
تحاول بعض شركات الطيران التخفيف من تأثير ارتفاع الأسعار عبر ما يعرف باستراتيجية التحوط في الوقود، التي تسمح لها بتثبيت أسعار الوقود لفترات تمتد لأشهر أو حتى سنوات. غير أن هذه الاستراتيجية لا تغطي عادة سوى جزء من احتياجات الشركات، كذلك إن عدداً متزايداً من شركات الطيران لم يعد يعتمد عليها بشكل واسع.
وفي السياق، قال كيربي، خلال فعالية في جامعة هارفارد، إن "التحوط أصبح أقل شيوعاً، وحتى عند استخدامه يبقى التحوط لفارق التكرير أمراً بالغ الصعوبة". ويشير فارق التكرير (crack spread) إلى الفرق بين سعر النفط الخام وسعر المنتجات المكررة الناتجة منه، مثل البنزين. وتواجه شركات الطيران أيضاً تحدياً إضافياً يتمثل بإغلاق بعض المجالات الجوية في المنطقة، ما يجبر الطائرات على تغيير مساراتها والتحليق لمسافات أطول، وهو ما يزيد استهلاك الوقود ويرفع تكاليف التشغيل.
تأثير مباشر على المسافرين
ومن المرجح أن ينعكس ارتفاع التكاليف على المسافرين بعدة طرق. ففي كثير من الأسواق خارج الولايات المتحدة تلجأ شركات الطيران إلى فرض رسوم وقود إضافية، تُضاف إلى سعر التذكرة الأساسي. أما شركات الطيران الأميركية الكبرى، فعادة ما تدمج تكلفة الوقود ضمن السعر الإجمالي للتذكرة بدلاً من فرض رسوم منفصلة، ما يعني أن أي زيادة في التكاليف ستظهر غالباً في شكل ارتفاع في السعر الأساسي للتذكرة.
بدوره، صرّح تايلر هوسفورد، مدير الأمن في شركة إدارة المخاطر العالمية International SOS، بأن شركات الطيران قد تلجأ أيضاً إلى تعديل أسعار الخدمات الإضافية، مثل ترقية المقاعد، أو مقاعد المساحة الإضافية للأرجل، أو رسوم الأمتعة المسجّلة، أو أولوية الصعود إلى الطائرة. وبذلك، قد ترتفع التكلفة الإجمالية للرحلة حتى لو لم ترتفع أسعار التذاكر الأساسية فوراً، إذ تتراكم الرسوم الإضافية ضمن السعر النهائي.
كذلك قد تضطر شركات الطيران، إذا استمرت أسعار الوقود المرتفعة، إلى تعديل جداول الرحلات أو تقليص بعض الخطوط الجوية، وفق ما يشير إليه كريستوفر أندرسون، أستاذ في كلية إدارة الأعمال بجامعة كورنيل. ويصعب تحديد حجم الزيادة المحتملة في أسعار التذاكر بدقة، إذ يعتمد ذلك على عدة عوامل، من بينها طول الرحلة، وشركة الطيران، ومستوى الطلب على السفر. لكن المؤكد أن الوقود يمثل أحد أهم عناصر التكلفة في قطاع الطيران، إذ يشكل عادة ما بين 20% و25% من إجمالي نفقات التشغيل، ليأتي في المرتبة الثانية بعد تكاليف العمالة. وأكد روب بريتون، أستاذ التسويق المساعد في جامعة جورجتاون والمدير التنفيذي السابق في American Airlines، أن أي ارتفاع حاد في أسعار الوقود ينعكس سريعاً على ميزانيات شركات الطيران.
شركات بدأت بالفعل رفع الأسعار
حتى الآن، جاءت معظم زيادات الأسعار ورسوم الوقود من شركات الطيران في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، إلا أن الخبراء يتوقعون أن تنضم شركات أخرى إلى هذا الاتجاه إذا استمرت الأسعار المرتفعة. فقد أعلنت شركة Cathay Pacific رفع رسوم الوقود اعتباراً من يوم الأربعاء، مشيرة إلى أن سعر وقود الطائرات تضاعف تقريباً منذ مارس/آذار نتيجة التطورات الأخيرة في المنطقة.
كذلك أعلنت عدة شركات أخرى إجراءات مماثلة، من بينها:
مجموعة إير فرانس–كيه إل إم التي قد ترفع أسعار التذاكر الاقتصادية للرحلات الطويلة بنحو 50 يورو (نحو 57 دولاراً).
شركة إير إنديا التي فرضت رسوماً إضافية قد تصل إلى 50 دولاراً على الرحلات إلى أوروبا وأميركا الشمالية وأستراليا بعد 18 مارس/آذار.
شركة هونغ كونغ إيرلاينز التي رفعت رسوم الوقود على عدة خطوط.
شركة فلاي سافير في جنوب أفريقيا التي أعلنت فرض رسوم وقود مؤقتة.
كيف يمكن تقليل تكاليف السفر؟
ينصح خبراء السفر المسافرين الذين يخططون لرحلات صيفية بالحجز المبكر بدلاً من انتظار العروض في اللحظة الأخيرة. فالحجز المبكر، خصوصاً مع خيارات التغيير المرنة، قد يسمح بتثبيت الأسعار قبل أن تقوم شركات الطيران برفعها. ويوصي الخبراء بالحفاظ على المرونة في مواعيد السفر، ومقارنة الأسعار بين المطارات القريبة، وتفعيل تنبيهات الأسعار لمتابعة أي انخفاض محتمل.
ويشير هوسفورد أيضاً إلى أن استخدام أميال السفر أو نقاط بطاقات الائتمان قد يكون خياراً مناسباً في ظل ارتفاع الأسعار، قائلاً: "إذا كنت تخطط لدفع ثمن التذكرة نقداً، لكنك قررت استخدام النقاط بدلاً من ذلك، فقد يكون هذا أفضل وقت للاستفادة منها".
ارتفاع أسعار وقود الطائرات يؤكد حساسية قطاع الطيران الشديدة لتقلبات أسواق الطاقة والتوترات الإقليمية، إذ يشكل الوقود أحد أكبر عناصر التكلفة التشغيلية لشركات الطيران. ومع استمرار الاضطرابات في إمدادات النفط العالمية، يرجح أن تتزايد الضغوط على شركات الطيران خلال الأشهر المقبلة، ما قد يترجم تدريجياً في شكل ارتفاع أسعار التذاكر أو الرسوم الإضافية، ويبقى المسافرون الحلقة الأكثر عرضة لتداعياتها، خصوصاً مع اقتراب موسم السفر الصيفي وارتفاع الطلب على الرحلات الدولية.
(أسوشييتد برس، العربي الجديد)
