عربي
عملت السلطات في مصر على تحشيد حالة شعبية واسعة، بتوظيف مناسبة "يوم الشهيد" الموافق 9 مارس/ آذار، الذي تحتفي القوات المسلحة به سنوياً، عبر بيان عسكري ومقالات مقتضبة، تذكر الناس باستشهاد الفريق عبد المنعم رياض رئيس أركان الجيش بعد أشهر من هزيمة 5 يونيو/ حزيران 1967، في أثناء تفقده حالة الجنود على الجبهة المصرية، من أجل تهيئة الرأي العام لاستحقاقات وتحديات اقتصادية صعبة، من جراء الحرب الأميركية الإسرائيلية الجارية ضد إيران.
وقد وظفت فيها وزارة الأوقاف المنابر في خطبة الجمعة الماضية وأدعية صلاة التراويح في شهر رمضان، لتهيئة الشعب لحرب قادمة، بدأت، في رأي السلطات، اقتصادياً ضد مصر مع قطع إمدادات الغاز الإسرائيلي عن مصر منذ أسبوعين، وتعطيل إمدادات النفط في الخليج وخروج استثمارات أجنبية من السوق المحلية، ما ترك الاقتصاد في وضع أكثر هشاشة، يكتوي بناره الجميع.
خطب في مصر تندّد بالصهيونية
وعادت الخطب الساخنة للتنديد بالصهيونية والاستعمار الذي يحمل شعارات دينية، تقودها شخصيات حاكمة في الولايات المتحدة وإسرائيل ضد المصريين والعرب والمسلمين، فوق منابر المساجد وفي منصات أحزاب في البلد، وامتدت حرارتها إلى مقالات الصحف وأحاديث القنوات التلفزيونية، وظهرت واضحةً في تصريحات مسؤولين يرون في استمرار التصعيد العسكري واتساع دائرة الحرب وسيلة صهيو-أميركية لتغيير شكل النظام الإقليمي العربي لسنوات طويلة مقبلة.
عادت الخطب الساخنة للتنديد بالصهيونية والاستعمار الذي يحمل شعارات دينية
وقد تحركت القاهرة في الأسبوعين الماضيين على أكثر من مسار، في محاولة لاحتواء الأزمة، عبر اتصالات سياسية مباشرة مع أطراف الصراع، وتنسيق عربي متزايد، إلى جانب نقاش فكري وسياسي داخلي متصاعد بشأن مستقبل الأمن القومي العربي في مواجهة التحولات الجارية في المنطقة. وقد تلقّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالا هاتفياً من نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، أول من أمس الجمعة، قال المتحدث باسم رئاسة الجمهورية محمد الشناوي عنه إن السيسي وجّه فيه رسالة واضحة برفض مصر "القاطع والمطلق" للهجمات التي استهدفت دول الخليج والأردن والعراق، مؤكداً أن هذه الدول "لم تشارك في الحرب ضد إيران، بل بذلت جهوداً كبيرة لخفض التوتر الذي يعصف بفرص التهدئة واستقرار المنطقة، ودعم المفاوضات بين طهران وواشنطن... كما أن مصر تتحرك على مدار الساعة مع الأطراف الدولية والإقليمية لإعادة الجميع إلى طاولة الحوار".
إنشاء قوة عربية مشتركة
وشارك وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري المشترك بين مصر ووزراء خارجية مجلس التعاون لدول الخليج العربية نهاية الأسبوع الماضي، مؤكداً، على لسان المتحدث الرسمي للخارجية تميم خلاف، "أن الاعتداءات الإيرانية الأخيرة على دول الخليج غير مقبولة وغير مبررة"، وأن مصر "تجدد إدانتها الكاملة لها"، وأن "أمن الخليج جزء أصيل من الأمن القومي المصري". وحذّر الوزير من مخاطر الانزلاق إلى فوضى إقليمية واسعة وشاملة، مع رفضه "بشكل قاطع أي محاولات لعرقلة حرية الملاحة، لما تمثّله من تهديد مباشر لأمن المنطقة وحركة التجارة العالمية. ودعا عبد العاطي إلى "الإسراع في تفعيل معاهدة الدفاع العربي المشترك لعام 1950" والعمل على "إنشاء قوة عربية مشتركة قادرة على التعامل مع التهديدات"، مع التشديد على رفض "أي ترتيبات أمنية تُفرض على الدول العربية من قوى إقليمية أو دولية".
وتوازت الحركة الدبلوماسية للرئاسة والخارجية مع نقاش واسع في مصر بشأن تداعيات الحرب في المنطقة، تبدّى في الندوات الحزبية والمنتديات الفكرية والمقالات الصحافية. وقد نشرت الصحف الحكومية تقريراً عن المنتدى الثقافي الأول الذي نظمه حزب الجبهة الوطنية، لمناقشة "تداعيات الحرب على المنطقة"، بمشاركة وزراء وبرلمانيين وممثلي أحزاب معارضة وخبراء عسكريين ومن الجامعات، في محاولة لقراءة السيناريوهات المحتملة للصراع وانعكاساته على الأمن القومي المصري والعربي. وحزب الجبهة يشكل مع حزب مستقبل وطن كتلة الأغلبية الساحقة في البرلمان، بما يمنح هذه المناقشات بعداً سياسياً يتجاوز الطابع الفكري.
وكان الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية، عمرو موسى، قد حذّر من أن التطورات الجارية قد تمثل "خطراً وجوديا" إذا لم يجر التعامل معها برؤية عربية جماعية. وفي مقال نشره على صفحته على وسائل التواصل وتداولته الصحف الرسمية والخاصة، وصف ما يجري بأنه "ليس مجرد مغامرة إسرائيلية، بل تحرك أميركي استراتيجي وظفت فيه واشنطن إسرائيل كشريك إقليمي". أما الدبلوماسي السابق مصطفى الفقي فاعتبر أن اللحظة الراهنة تفرض إعادة التفكير في منظومة الأمن العربي، ودعا إلى إحياء اتفاقية الدفاع العربي المشترك، باعتبارها إطاراً يمكن تطويره لمواجهة التحديات الجديدة.
قضم إسرائيل للمنطقة
حذر معصوم مرزوق من مخططات توسعية إسرائيلية تستهدف قضم المنطقة
واعتبر مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، معصوم مرزوق، في تصريح لـ"العربي الجديد"، ما يجري في العالم العربي حالةً من "العدمية السياسية" في العالم العربي. وقال إن ما يجري في المنطقة لا يعكس مجرد صراع إقليمي، بل يكشف عن غياب الإرادة العربية المستقلة، وحذّر من مخططات توسعية إسرائيلية تستهدف "قضم المنطقة قضمة قضمة"، في ظل انقسام النظام العربي. وقال: "العرب لم يعودوا لاعبين في الملعب الدولي، بل تحولوا إلى ملعب تُجرى عليه مباريات الآخرين". وحمّل جزءا من المسؤولية عما يصفها "حالة الشلل التي تعانيها المؤسسات الدولية والإقليمية"، وفي مقدمتها جامعة الدول العربية، التي يرى أنها "تعيش في غرفة الإنعاش منذ عقود".
وطرح مرزوق رؤية للخروج من الأزمة تقوم على ثلاثة محاور أساسية، يتعلق الأول بالجبهة الداخلية، حيث يدعو إلى تبني "اقتصاد حرب" يعيد ترتيب أولويات الإنفاق العام، ويعزّز الاستثمار في البحث العلمي العسكري، والثاني بإعادة صياغة نظام أمن إقليمي جديد يقوم على تعاون بين العواصم الرئيسية في المنطقة، مثل القاهرة والرياض وطهران وأنقرة، لتحقيق توازن قوى يمنع أي طرف من فرض هيمنة مطلقة على الشرق الأوسط. ويدعو المحور الثالث إلى إصلاح النظام الدولي، عبر مراجعة آليات عمل مجلس الأمن والحد من استخدام حق النقض "الفيتو" الذي يصب دوماً في صالح الدول الكبرى ويحمي إسرائيل من المحاسبة على جرائمها التي ترتكبها ضد العرب وشعوب المنطقة. وقال: "ليس الحل في استبدال التبعية للغرب بالارتهان لقوى أخرى، بل في بناء علاقات دولية متوازنة تقوم على الندية".
إلى ذلك، يؤكد خبراء عسكريون في حوارات معهم قدرة الجيش المصري على التصدي لأي اعتداء على البلاد، وذلك فيما تتردّد دعوات إلى حث الدول العربية على تفعيل اتفاقيات الدفاع المشترك التي تأسست عليها جامعة الدول العربية منذ إنشائها في العام 1946، ولم تفعل إلا مرّة واحدة، حين غزا صدّام حسين الكويت عام 1990، وإلى حث القاهرة على العمل إلى إحياء هذه الاتفاقيات، قبل أن تهدأ العمليات العسكرية، وتبدو إسرائيل بعدها وحشا كاسراً لا يتوقف أثرها عند ابتلاع الضفة الغربية وغزة وجنوب سورية ولبنان.
