عربي
تتعرض مناطق واسعة من قطاع غزة منذ ساعات صباح اليوم السبت لعاصفة رملية قوية مصحوبة برياح نشطة وكثافة عالية من الغبار، ما أدى إلى تدهور الأوضاع المعيشية داخل مخيمات النزوح المنتشرة في مختلف مناطق القطاع، حيث يعيش مئات آلاف الفلسطينيين في خيام قماشية مهترئة لا توفر الحد الأدني من الحماية أمام الظروف الجوية القاسية.
ومع اشتداد الرياح، تحوّلت خيام النزوح إلى ما يشبه الأشرعة المتطايرة، متمايلة بعنف مع كل هبّة، فيما تسللت الرمال من كل الاتجاهات لتغطي الأمتعة القليلة التي تبقت لدى العائلات النازحة، وتزيد من صعوبة الحياة اليومية التي يعيشونها منذ أشهر طويلة.
في هذا السياق، دعا جهاز الدفاع المدني المواطنين إلى اتخاذ تدابير السلامة اللازمة للوقاية من آثار الكتلة الهوائية المغبرة التي تضرب الأجواء الفلسطينية اليوم، محذراً من خطورة التعرض المباشر للغبار، خصوصاً لدى المرضى وكبار السن والأطفال. وأشار إلى ضرورة البقاء في المنازل أو مراكز الإيواء والخيام إلا للضرورة القصوى، خصوصاً مرضى الجهاز التنفسي، مشدداً على ضرورة إعادة تثبيت الخيام والشوادر جيداً لتجنب تطايرها بفعل الرياح القوية.
ويقول نازحون إن العاصفة الرملية الحالية ليست مجرد ظاهرة جوية عابرة، بل أزمة جديدة تضاف إلى سلسلة المعاناة التي يعيشها السكان منذ اندلاع الحرب، في ظل افتقار المخيمات إلى البنية التحتية الأساسية وانعدام الوسائل التي تمكنهم من تحصين خيامهم أو تأمينها في مواجهة الرياح الشديدة.
في أحد مخيمات النزوح المقامة على أرض رملية في وسط مدينة غزة، يقف أبو محمود أبو جلهوم (53 عاماً) ممسكاً بأطراف خيمته، محاولاً تثبيتها بالحبال وبعض الحجارة الثقيلة، خشية أن تقتلعها الرياح، ويقول إن العاصفة حوّلت يومهم إلى معركة حقيقية للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار.
ويضيف في حديثه لـ"العربي الجديد": "منذ الصباح فوجئنا بعاصفة مباغتة وقوية، والغبار دخل إلى الخيمة. حاولنا إغلاق الفتحات بقطع قماش، لكن الرمال لم تتوقف، الأطفال يسعلون باستمرار ولا نستطيع فعل شيء لهم". ويشير أبو جلهوم إلى أن الخيام التي يعيشون فيها لم تعد صالحة للسكن منذ وقت طويل بعدما تعرضت للتمزق بفعل الأمطار والرياح خلال الأشهر الماضية، مؤكداً أن العاصفة الحالية كشفت مجدداً هشاشة أوضاع النازحين. ويتابع: "عندما تهبّ الرياح نشعر أن الخيام قد تطير في أي لحظة، لا جدران تحمينا، ولا أبواب نغلقها، فقط قطعة قماش نحاول أن نعيش تحتها".
ولا تقتصر معاناة النازحين على خطر تطاير الخيام، بل تمتد إلى المشاكل الصحية التي تسببها العواصف الرملية، خصوصاً لدى الأطفال وكبار السن الذين يعانون من أمراض تنفسية في ظل غياب الرعاية الصحية الكافية، وقد تجاوزت الأزمة حدود المخيمات، لتصيب البيوت المتهالكة وغير المغطاة بفعل عدم توفر مواد البناء.
تقول إيمان الخالدي (39 عاماً)، نازحة تقيم مع عائلتها في خيمة قرب أحد مراكز الإيواء، إن العاصفة الرملية حولت الخيمة إلى بيئة خانقة يصعب البقاء فيها لساعات طويلة. وتوضح لـ"العربي الجديد" وهي تحاول تنظيف الرمال المتراكمة فوق الأغطية: "كل شيء داخل الخيمة أصبح مغطى بالرمل، الطعام، الفُرُش وحتى ملابس الأطفال، نحاول تنظيفها لكن الرمال تعود بعد دقائق بسبب الرياح".
وتبين الأم أن أطفالها الثلاثة شعروا بالخوف الشديد من تطاير قماش الخيمة، والأصوات المرتفعة للرياح وتساقط الأشياء، وبدأوا يعانون من السعال وضيق التنفس منذ اشتداد العاصفة، مشيرة إلى أنهم لا يملكون أي وسائل لحمايتهم. وتقول الخالدي: "في البيوت كان بإمكاننا إغلاق النوافذ والأبواب، أما هنا فلا يوجد شيء يمنع دخول الغبار. نشعر أننا نعيش في العراء تماماً".
وتزداد خطورة العواصف الرملية على سكان المخيمات بسبب طبيعة الأراضي التي أقيمت عليها، حيث تنتشر الخيام فوق مساحات مفتوحة وغير ممهدة، ما يجعلها عرضة مباشرة للرياح الشديدة التي تضرب المنطقة. لكن بالنسبة إلى الكثير منهم، فإن المشكلة لا تتعلق بعاصفة عابرة فحسب، بل بواقع قاسٍ فرض عليهم العيش في ظروف مفتوحة على كل تقلبات الطقس، من الأمطار الغزيرة إلى العواصف الرملية والحرارة المرتفعة.
أما الشاب محمد نصار (27 عاماً)، فيقول إن الرياح العاتية تسببت بالفعل في تطاير بعض الخيام القريبة منهم، ما اضطر العائلات إلى الاحتماء داخل خيام أخرى مكتظة أصلاً بالسكان. ويتابع نصار حديثه لـ"العربي الجديد"، قائلاً: إن "الغبار والرمال المتطايرة تجعل الحركة خارج الخيام صعبة للغاية، إذ تتدنى الرؤية كثيراً، بينما تغطي طبقات الغبار الطرقات وممرات المخيم (..) حتى الخروج لجلب الماء أو الطعام أصبح صعباً، الرياح تحمل الرمال بقوة لدرجة أننا لا نستطيع فتح أعيننا".
ومع استمرار هبوب الرياح المحملة بالغبار، يقضي كثير من النازحين ساعات طويلة داخل خيامهم محاولين حماية أطفالهم ومقتنياتهم القليلة من الرمال المتطايرة، فيما يترقبون بقلق انحسار العاصفة. وفي ظل غياب حلول سريعة لتحسين ظروف الإيواء، تبقى الخيام المهترئة الملاذ الوحيد لمئات آلاف النازحين في قطاع غزة، الذين يواجهون يوماً بعد آخر تحديات جديدة تضيف مزيداً من الصعوبة إلى حياتهم اليومية.

أخبار ذات صلة.
فرستابن: سيارة ريد بول غير قابلة للقيادة
الشرق الأوسط
منذ 8 دقائق
الألمانية ألكساندرا بوب ستترك فولفسبورغ
الشرق الأوسط
منذ 12 دقيقة