ليبيا | الدبيبة بتحالفات جديدة لإعادة رسم التوازنات في غرب البلاد
عربي
منذ ساعة
مشاركة
استكمل رئيس حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا عبد الحميد الدبيبة تشكيل حكومته المعدّلة، في خطوة عززت موقعه السياسي داخلياً، وسمحت له باحتواء اعتراضات داخل المجلس الرئاسي الليبي، وضمان دعم المجلس الأعلى للدولة، بالتوازي مع تحركات لإعادة ترتيب علاقاته مع مجموعات مسلحة في بؤر توتر، غربي البلاد. وفي المقابل، يواجه مجلس النواب الليبي خلافات متصاعدة، قد تقود إلى إزاحة رئيسه عقيلة صالح، أحد أبرز خصوم حكومة الوحدة الوطنية. والخميس الماضي، نشر المكتب الإعلامي للدبيبة صورة جماعية للحكومة بعد استكمال التشكيلة، بتعيين 13 وزيراً لشغل الحقائب الشاغرة، إلى جانب تكليف سالم الزادمة نائباً لرئيس الحكومة، وهو المنصب الذي كان يشغله في حكومة مجلس النواب. وخلال أول اجتماع للحكومة بعد اكتمالها، أكد الدبيبة أن حكومته لن تسلّم السلطة إلّا بعد إجراء انتخابات تقوم على قواعد متفق عليها وقابلة للتنفيذ، وحث جميع الأطراف السياسية على الانخراط في حوار يفضي إلى إنهاء الانقسام وإجراء الاستحقاق الانتخابي. وجاء الإعلان عن التشكيلة المكتملة عقب تراجع رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي عن اعتراضه السابق على التعديل الوزاري، بعدما كان قد اشترط، في وقت سابق، أن يجري أي تعديل وفق المرجعيات الدستورية، وبما يحقق توافقاً وطنياً. غير أن موقفه تبدل بعد اجتماع ثلاثي ضمه إلى الدبيبة ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، الأربعاء الماضي، إذ أعلن بعده إقرار الإجراءات التي اتخذها الدبيبة لمعالجة الشغور الوزاري، مؤكداً أنها جرت وفق تشاور الحكومة مع المجلس الرئاسي المجلس الأعلى للدولة، لكن مصادر حكومية من طرابلس كشفت لـ"العربي الجديد"، حصول المنفي على حقائب ضمن التعديل الوزاري يشغلها مقربون منه، بالإضافة لمواقع مهمة داخل وزارة الخارجية. وبالتوازي مع تهدئة الخلاف مع المنفي، تحرك الدبيبة لإعادة ترتيب علاقاته مع مجموعات مسلحة في مناطق تُعدّ من أبرز بؤر التوتر في غرب ليبيا، إذ استضاف خلال ليال رمضانية، الأسبوع الماضي، لقاءات ضمت قادة مجموعات من مدينة الزاوية، التي يتداخل فيها نفوذ قبلي وعسكري قريب من حكومة مجلس النواب، خاصة عبر وزير داخليتها عصام بوزريبة، والنائب علي بوزريبة، كما حضر أحد تلك اللقاءات حسن بوزريبة، أحد أبرز قادة المجموعات المسلحة في المدينة، بالتزامن مع قرار منح منطقة بوزريبة في مدينة الزاوية، صفة بلدية مستقلة. وشملت هذه اللقاءات أيضاً قادة مجموعات مسلحة من تاجوراء شرقي طرابلس، إضافة إلى لقاء آخر مع شخصيات من الزنتان استضافها الدبيبة في مصراتة، إذ توجد مجموعات معارضة للحكومة في كلا المدينتَين. وتأتي هذه الترتيبات في سياق سياسي معقد، غير أن اللافت فيها توقيتها، فقد عملت الحكومة لسنوات بتشكيلة عانت من غياب 13 وزيراً بسبب الاستقالات أو إحالة بعضهم إلى القضاء في شبهات فساد مالي واداري، قبل أن تقدم الآن على استكمالها. وجاءت الخطوة مع استمرار جهود البعثة الأممية لدفع خريطة طريق تنتهي بالمشهد إلى إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، تتضمن في أبرز بنودها تشكيل حكومة موحدة، كما تتقاطع خطوة الدبيبة مع استمرار المقاربة الأميركية التي يقودها مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مسعد بولس، لتقريب وجهات النظر بين سلطتي طرابلس وبنغازي، بهدف تشكيل حكومة مشتركة في إطار مقاربة أميركية لمعالجة الأزمة الليبية. تحركات متزايدة لإزاحة عقيلة صالح وفي المقابل، يشهد مجلس النواب تحولات عميقة وسط تحركات متزايدة لإزاحة رئيسه عقيلة صالح، فقد دعا عدد من النواب إلى عقد جلسة يوم 30 من شهر مارس/ آذار الحالي، لمناقشة مقترح سمّوه بـ"خريطة طريق لإصلاح عمل المجلس"، يتضمن تعديل اللائحة الداخلية، وإعادة انتخاب هيئة رئاسة المجلس، وجاءت هذه الدعوة عقب خلافات حادة بين عقيلة ونائبيه بشأن المسؤولية عن قرار فرض ضرائب إضافية على استيراد السلع الأساسية، وهو القرار الذي أثار موجة انتقادات واسعة داخل ليبيا. واتهم عقيلة نائبيه بالمسؤولية عن القرار، فيما نفى النائبان ذلك، وألقيا باللوم عليه، كما تأتي هذه الخلافات داخل مجلس النواب على وقع توترات أعمق داخل معسكر شرق ليبيا، وتحديداً بين أبناء اللواء المتقاعد خليفة حفتر، إذ تصاعد التنافس بين بلقاسم، الذي يُعدّ حليفاً رئيسياً لعقيلة صالح، وشقيقه صدام، الذي يدعم الكتلة النيابية الداعية إلى إزاحة رئيس مجلس النواب، ما يعكس حالة إعادة تشكل في مراكز النفوذ داخل المعسكر الشرقي. ووفقاً لقراءة الباحث في الشأن السياسي أرحومة الطبال، فإنّ تحركات الدبيبة تعكس إدراكه لاحتمال تشكل جديد للمشهد السياسي الليبي، خاصة على مستوى إعادة تشكيل السلطة التنفيذية، ما يدفعه للاستعداد مبكراً، عبر تحركات متداخلة على ثلاثة مستويات. ويوضح الطبال في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن الدبيبة تحرك من خلال مستوى سياسي، لبناء مظلة تدعم شرعية حكومته، من خلال احتوائه التوتر بينه وبين المنفي، معتبراً أن المجلس الرئاسي يوفر غطاءً مؤسّساتياً يسمح بتمرير التعديل الحكومي، كما أنّ التقارب مع المنفي يعزز مشروع "الهيئة العليا للرئاسات" الذي أعلنه الدبيبة في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، بعضوية المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة، كإطار تنسيقي يمنح المؤسسات الثلاث دوراً أقرب إلى سلطة عليا منسقة للمشهد السياسي. ويلفت الطبال إلى أن المستوى الثاني، يتعلق بسعي الدبيبة لإعادة ترتيب خريطة النفوذ المسلح في غرب البلاد، موضحاً أن مدينة الزاوية "شكلت مصدر قلق للدبيبة، بسبب تشابك النفوذ القبلي والعسكري فيها، وارتباط بعض قادتها بمعسكر خليفة حفتر، خاصة عائلة بوزريبة"، التي تضم النائب علي بوزريبة، ووزير الداخلية في حكومة مجلس النواب عصام بوزريبة. ويعتبر الطبال أن احتضان الحكومة لشقيقهما حسن بوزريبة، خطوة مهمة بالنسبة للحكومة، لأنه يقود نفوذاً مسلحاً محلياً بعد إعلانه قيادة مليشيا جهاز دعم الاستقرار في الزاوية، عقب انهيار الجهاز في طرابلس العام الماضي، كما أن هذا الجهاز تابع للمجلس الرئاسي، ما يجعل العلاقة معه جزءاً من توازنات أمنية دقيقة". ويعتبر الطبال أن القلق الأمني لدى الدبيبة يمتد إلى بؤر أخرى، عكستها استضافته "لقادة مسلحي تاجوراء التي تنشط فيها مجموعات مرتبطة بخصومه في مصراتة، واستضافته قادة الزنتان التي تضم قوى متعارضة، إذ يسعى الدبيبة عبر وزير داخليته عماد الطرابلسي، المنحدر من الزنتان أيضاً، إلى بناء توازن بين هذه القوى". وترتبط هذه المساعي بمستوى ثالث، يتمثل، في ما يصفها الطبال بـ"محاولة تقليص نفوذ حكومة مجلس النواب، عبر استيعاب شخصيات قريبة منها"، لافتاً إلى أن تعيين سالم الزادمة نائباً لرئيس الحكومة "مهم، ليس لأنه كان جزءاً من الحكومة في بنغازي فقط، بل لأنه أيضاً شقيق حسن الزادمة القائد السابق للواء 128 مشاة، الذي كان الذراع العسكرية الكبرى لحفتر في الجنوب، قبل أن يقصيه تماماً من بنيته العسكرية، وخطوة الدبيبة الآن تشير إلى محاولة فتح قنوات تأثير داخل شبكات النفوذ هناك". لكن الطبال يلفت من جانب آخر إلى أنّ التطورات داخل مجلس النواب تعكس إعادة ترتيب موازية داخل معسكر الشرق، معتبراً أن مساعي إزاحة عقيلة صالح من رئاسة مجلس النواب "ليست خلافاً داخلياً، بل ربما لأن عقيلة العائق الأول أمام أي تقارب مع الحكومة في طرابلس، وقد يشير إلى ذلك دعم صدام حفتر للكتلة النيابية الساعية لإبعاده، فغني عن البيان أن صدام هو من جلس ليفاوض حكومة الدبيبة على الطاولة التي أقامها مستشار ترامب مسعد بولس في روما وباريس للنقاش حول تشكيل سلطة تنفيذية موحدة". ورغم ذلك، يؤكّد الطبال أن المسارات في طرابلس وفي بنغازي "تبقى معقدة وغير واضحة، لأن إزاحة عقيلة صالح ترتبط أيضاً بالتنافس داخل عائلة خليفة حفتر نفسها، إذ يحظى عقيلة بدعم بلقاسم حفتر، في مقابل دعم صدام لمساعي إبعاده، والنتيجة أن المشهد يسير في اتجاهَين متوازيَين، تحالفات جديدة بناها الدبيبة، ومساعي في بنغازي لإعادة ترتيبات داخلية، وكلاهما قد يؤشر إلى تقارب سياسي، لكن في الوقت ذاته يعكس الاتجاهان صراعاً عميقاً داخل مراكز النفوذ، ولا سيّما في مركز نفوذ معسكر حفتر، في غياب أي توازن واضح بين أولاده".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية