عربي
تُواجه النساءَ الحواملَ في مدينة القامشلي وريفها بمحافظة الحسكة، شمال شرقي سورية، أوضاعٌ صحية صعبة بسبب غياب مراكز توليد حكومية مجهزة، ما يضطر كثيرات منهن إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى مشافٍ محدودة الإمكانات أو اللجوء إلى المشافي الخاصة ذات التكاليف المرتفعة، ما يفاقم المخاوف من المخاطر الصحية التي قد تهدد الأمهات والمواليد.
ويؤكد أطباء وسكان محليون أن المنطقة التي يقطنها نحو مليوني نسمة وتمتد من ديريك المالكية إلى رأس العين والحسكة، تفتقر إلى مشفى للتوليد وأمراض النساء يعمل بكامل طاقته، وذلك في تراجع الخدمات الصحية خلال السنوات الماضية.
يقول الطبيب المختص بأمراض النساء والتوليد في القامشلي، رضوان محمد، في حديثه لـ"العربي الجديد"، إن "مدينة القامشلي وأريافها بحاجة ماسة إلى مشفى متكامل للتوليد وأمراض النساء، إلى جانب مراكز توليد طبيعية تعمل على مدار الساعة، تضم فريقاً طبياً متكاملاً من أطباء وقابلات وممرضين وفنيين".
ويضيف أن المشفى الوطني في القامشلي كان سابقاً المركز المجاني الوحيد الذي يقدم خدمات التوليد في المنطقة، إلا أن هذه الخدمات تراجعت بشكل كبير بعد سنوات الحرب، نتيجة هجرة عدد من الأطباء ونقص الكوادر والأدوية. ويوضح أن "القسم كان يضم عشرات الأطباء والمقيمين، إضافة إلى غرف عمليات ومخاض، لكنه اليوم لا يعمل بطاقته الكاملة، كما يفتقر إلى اختصاصي تخدير منذ أكثر من عشر سنوات".
وبحسب محمد، أدى غياب مراكز التوليد الطبيعية إلى ارتفاع غير مسبوق في العمليات القيصرية. ويوضح أن "نسبة هذه العمليات في المنطقة لم تكن تتجاوز سابقاً بين 14 و20%، لكنها ارتفعت في عام 2025 إلى نحو 92%، نتيجة غياب مراكز لمتابعة الحوامل و نقص الكوادر الطبية القادرة على دعم وتشجيع الولادة الطبيعية".
ويشير الطبيب إلى أن المنطقة تحتاج أيضاً إلى مركز متخصص لمعالجة العقم يتبع للمشفى الوطني، يقدم خدمات التشخيص والعلاج وعمليات أطفال الأنابيب. ويرى أن "إنشاء مشفى وطني للتوليد وأمراض النساء، مزود ببنك دم ووحدات عناية مشددة، قد يسهم في إنقاذ حياة كثير من الأمهات في الحالات الخطرة مثل النزف أو تسمم الحمل".
من جهة ثانية، تحول الظروف الاقتصادية الصعبة دون قدرة كثير العائلات على تحمل تكاليف المشافي الخاصة، ما يزيد من مخاطر الولادات المنزلية أو التأخر في الوصول إلى الرعاية الطبية.
وتروي غالية عبد العزيز، من إحدى القرى البعيدة في ريف القامشلي، لـ"العربي الجديد" قصة ولادة لا تزال آثارها النفسية ترافقها حتى اليوم. تقول: "في قريتنا لا توجد مستشفيات ولا مراكز صحية مجهزة لاستقبال حالات الولادة، لذلك تعيش النساء دائماً تحت وطأة الخوف".
وتضيف: "حين بدأت آلام المخاض كان علينا أن نسلك طريقاً طويلاً ووعراً إلى القامشلي. كل دقيقة كانت تبدو كأنها ساعة، وكنت أشعر أن قوتي تضعف، وأدعو الله فقط أن أصل إلى المشفى قبل فوات الأوان". وتتابع: "عندما وصلنا كنت على وشك فقدان جنيني من شدة التعب والنزيف، لكن الأطباء أدخلوني بسرعة إلى غرفة الولادة وأنجبت بسلام. تلك الليلة جعلتني أفكر كثيراً: كم امرأة قد تفقد طفلها فقط لأنها تعيش في قرية بعيدة لا يوجد فيها مشفى قريب؟".
أما أمل الحجي، من قرية تابعة لمنطقة تل حميس، فتصف تجربة مشابهة عاشتها في أشهر حملها الأخيرة. تقول لـ"العربي الجديد": "كنا نعيش في قرية لا توجد فيها أي خدمات صحية تقريباً، وحتى في مركز تل حميس لا تتوفر مشافٍ قادرة على استقبال حالات الولادة، لذلك تضطر النساء دائماً إلى الذهاب للقامشلي".
وتضيف: "في إحدى الليالي جاءني المخاض بشكل مفاجئ، ولم تكن لدينا سيارة. خرج زوجي يطرق أبواب الجيران واحداً تلو الآخر بحثاً عن من يساعدنا. كنت خائفة جداً، على حياتي وحياة طفلي". وتتابع متذكرة تلك الساعات: "أخيراً وافق أحد الجيران على نقلنا بسيارته، وانطلقنا في طريق طويل بينما كانت آلام المخاض تشتد. عندما وصلنا إلى القامشلي دخلت المشفى وتمت الولادة، لكن تلك الرحلة المليئة بالخوف جعلتني أدرك حجم المعاناة التي تعيشها نساء القرى البعيدة".
ويشدد الطبيب رضوان محمد، على ضرورة إنشاء مراكز توليد وطنية مجانية أو شبه مجانية موزعة في المدن والبلدات، تعمل على مدار الساعة وتوفر الرعاية الطبية الكاملة للحوامل. ويقول: "المشافي الخاصة ليست حلاً، بل المطلوب إنشاء مراكز توليد عامة مجهزة وكادر طبي متكامل، لأن الولادة يجب أن تتم في بيئة طبية آمنة لحماية حياة الأم والطفل".
وبين مناشدات الأطباء وشهادات الأمهات، تبدو الحاجة إلى بنية صحية متخصصة في التوليد أكثر إلحاحاً في منطقة الجزيرة السورية، حيث تتحول لحظة انتظار مولود جديد لدى كثير من النساء إلى رحلة قلق وخوف، قد تبدأ بطريق طويل نحو المشفى ولا يعرف أحد كيف يمكن أن تنتهي.
