استعادة الوطن تبدأ باستعادة البوصلة
أهلي
منذ 8 ساعات
مشاركة

نحن لا نطلب أكثر من أن نستعيد ذواتنا… أن نستعيد تلك الأرواح النبيلة التي تكسّرت تحت وقع سبعين عاماً من الحروب والصراعات والاقتتال بين الإخوة.

لقد عرف مجتمعنا يوماً معنى التعايش وقيمة التنوع الثقافي والعرقي والعقائدي. وكانت المفارقة أن تلك الروح كانت أكثر حضوراً حتى في زمن الاستعمار. لم يكن الاستعمار مقبولاً، ومقاومته كانت مبدأً يجمعنا ويوحّد صفوفنا. كان عدونا واضحاً، وكانت بوصلة نضالنا متجهة نحو الخارج لا نحو صدور بعضنا البعض.

اللحظة الأخطر في تاريخنا جاءت عندما فقدنا ذلك المبدأ. حين بدأ بعضنا يرى في المختلف عنه عدواً، وحين تحولت التحالفات الخارجية من وسيلة لمواجهة المستعمر إلى أداة للانتصار على الشريك في الوطن. ومن هنا بدأ الانحدار الحقيقي؛ تخلّينا عن فكرة مقارعة الاستعمار، واستبدلناها بمقارعة بعضنا البعض. ومع كل جولة صراع كنا نضعف أكثر، حتى تحولنا إلى أدوات رخيصة في صراعات لا تخدم أوطاننا.

واليوم ندفع الثمن بوضوح. فقدنا السيادة لأننا فقدنا الإرادة، وفقدنا الإرادة لأن معركتنا لم تعد من أجل الوطن، بل من أجل الانتصار للذوات، أفراداً وجماعات.

في هذا الواقع المختل لم يعد معيار النصر خدمة الوطن، بل رضا الخارج. من يحظى برضا القوى الخارجية يتلقى الدعم ويُمنح أسباب القوة، ومن يُغضبها يُهزم ويُقصى. وهنا تكمن المأساة؛ فالمهزوم لا يبكي لأنه خسر الوطن، بل لأنه خسر رضا الخارج.

الأكثر مرارة أن بعض المهزومين يخرج اليوم ليعلن أنه كان خادماً مخلصاً لمشاريع الخارج، وأنه خُدع، ثم يهاجم خصومه لا لأنهم أخطأوا في حق الوطن، بل لأنهم – في نظره – لم يكونوا عملاء جيدين في مشروع لا علاقة له بالوطن ولا بالوطنية.

هكذا تشكّلت دولة منقسمة على ذاتها، نصفها يطارد نصفها الآخر، دولة مثقلة بتاريخ من الدم والانتهاكات وتصفية الخصوم، وكل ذلك تحت شعار الولاء للخارج.

إن العار الذي يلاحقنا اليوم ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة مباشرة لانحراف البوصلة. فحين تتحول معركة الوطن إلى معركة نفوذ، وحين يصبح الخارج حكماً بين أبناء البلد الواحد، تضيع السيادة وتُهدر الكرامة.

إن استعادة الوطن لا تبدأ من شعارات جديدة، بل من استعادة المبدأ الذي جمعنا يوماً: أن الوطن هو القضية، وأن معركتنا الحقيقية ليست مع بعضنا البعض، بل مع كل ما ينتقص من سيادتنا وإرادتنا.

وما لم نعد إلى هذا المبدأ، سيظل العار يطاردنا، وسيظل الوطن يدفع ثمن صراعات لا رابح فيها.

The post استعادة الوطن تبدأ باستعادة البوصلة appeared first on يمن مونيتور.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية