يمن مونيتور/ تعز/ من إفتخار عبده
يشهد القطاع الصحي في محافظة تعز تراجعا ملحوظا في مستوى الدعم الذي كانت تقدمه المنظمات الدولية خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على قدرة المستشفيات والمرافق الطبية على الاستمرار في تقديم خدماتها.
ومع تقلص التدخلات الإنسانية وارتفاع تكاليف التشغيل، باتت المؤسسات الصحية تواجه تحديات متزايدة، في وقت يزداد فيه اعتماد المواطنين على هذه الخدمات وسط أوضاع اقتصادية ومعيشية صعبة.
انحسار التمويل الصحي
بهذا الشأن، أكد الدكتور أحمد الدميني، مساعد المدير الفني بمستشفى الثورة العام بمحافظة تعز، أن القطاع الصحي في المحافظة يواجه تراجعًا حادًا في مستوى الدعم المقدم من المنظمات الدولية والجهات المانحة، مشيرًا إلى أن هذا التراجع أصبح واضحًا خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
وأوضح أن العديد من المنظمات كانت قبل عام 2021 تتولى تشغيل مستشفيات وأقسامًا كاملة بشكل شامل، ابتداءً من أقسام الطوارئ وصولًا إلى العمليات والعناية المركزة، إلا أن هذا الدعم تقلص تدريجيًا ليقتصر اليوم على تدخلات محدودة وجزئية لا تلبي حجم الاحتياجات القائمة.
وأشار الدميني إلى أن منظمة أطباء بلا حدود كانت تمثل أحد أهم ركائز الدعم لمستشفى الثورة، إذ كانت تقدم حوافز مالية وتدريبًا لأكثر من 200 موظف، إضافة إلى دعمها لعدد من الأقسام الحيوية مثل المختبر والأشعة والأقسام الجراحية، إلا أن مستوى هذا الدعم الشامل شهد تراجعًا ملحوظًا في الفترة الأخيرة.
كما لفت إلى انخفاض الدعم الذي كانت تقدمه منظمة الصحة العالمية، خاصة فيما يتعلق بتوفير مادة الديزل التي يعتمد عليها المستشفى لتشغيل المولدات وضمان استمرارية العمل في الأقسام الحيوية.
وعزا الدميني هذا التراجع إلى جملة من العوامل المتداخلة، من أبرزها وجود قيود إدارية وتمويلية متزايدة تواجه عمل المنظمات الأممية، إضافة إلى انخفاض حجم التمويل الدولي المخصص للأزمة الإنسانية في اليمن عمومًا، ولمحافظة تعز على وجه الخصوص، لافتًا كذلك إلى أن بعض السياسات في مناطق سيطرة جماعة الحوثي أسهمت في الحد من تدفق الدعم الموجه من المنظمات الدولية.
وتابع: “هذه العوامل أدت إلى انحسار كبير في حجم الدعم، فبعد أن كانت بعض المستشفيات تحظى بدعم شامل من منظمة أو أكثر، أصبح الدعم اليوم يقتصر على تدخلات محدودة أو دعم جزئي لبعض الأقسام أو المراكز الصحية”.
رسوم المرضى البديل الوحيد
وفي ظل غياب الموازنات التشغيلية الكافية وتراكم المديونية على هيئة المستشفى، أوضح الدميني أن مستشفى الثورة بات يعتمد بدرجة كبيرة على الرسوم الرمزية التي يدفعها المرضى لتغطية جزء من النفقات التشغيلية، وهو خيار صعب في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي يمر بها المواطنون، لكنه يظل أحد الخيارات المتاحة للحفاظ على استمرارية الخدمات الصحية ومنع توقف المستشفى عن العمل.
وأوضح الدكتور الدميني أن انسحاب عدد كبير من المنظمات الإنسانية أثر بشكل واضح على مستوى الخدمات الصحية التي كانت تقدم خلال السنوات الأولى من الحرب، وتشمل دعم أقسام الجراحة والباطنية والنساء والولادة والأطفال والعيادات الخارجية، إضافة إلى الخدمات التخصصية وتسفير الجرحى للعلاج.
وأشار إلى أن بعض المنظمات لا تزال تقدم تدخلات محدودة، مثل رعاية الأطفال ومنظمة أطباء بلا حدود في علاج بعض حالات الجرحى والأطفال، إلا أن هذه التدخلات أصبحت جزئية مقارنة بما كانت عليه في السابق.
فجوة لم تملأها الدولة
في السياق، قال تيسير السامعي، المسؤول الإعلامي في مكتب الصحة بمحافظة تعز: “توقف المنظمات أدى إلى حدوث نقص كبير في الخدمات المقدمة للمواطن، لا سيما في كثير من المرافق الصحية التي كانت تعتمد في خدماتها على هذه المنظمات”.
وأوضح السامعي في حديثه لـ”يمن مونيتور” أن انحسار عمل المنظمات في القطاع الصحي سبّب فجوة كبيرة، لم تستطع الدولة أن تقوم بتغطيتها، وتقديم خدمات ولو بشكل أقل مما كانت تقدمه المنظمات.
ولفت إلى أن المنظمات كانت تلعب دورًا كبيرًا وإن كان في الحد الأدنى من تقديم الخدمات، خاصة في المناطق الريفية وفي المناطق البعيدة.
وتابع السامعي: “القطاع الصحي الآن يعاني من مشكلة لم تستطع الدولة أن تملأ الفراغ الذي تركته هذه المنظمات في توفير الموازنات التشغيلية وتوفير الرواتب للكوادر التي تعمل في الكثير من المستشفيات والمراكز الصحية”.
وطالب السامعي بأن يكون تدخل المنظمات عبر مشاريع مستدامة تخدم الجانب الصحي، لأن المشاريع المؤقتة تحرم المواطن من الخدمات وتسبّب مشكلة للدولة في حال الانسحاب المفاجئ الذي يترك الدولة عاجزة عن تغطية الفراغ”.
معاناة المرضى تتضاعف
مستشفى الجمهوري في مدينة تعز كان يستقبل يوميًا عشرات حالات الولادة الطبيعية والقيصرية، إلى جانب عدد كبير من النساء لمتابعة الحمل والرضاعة، في ظل خدمات طبية مجانية متكاملة كانت تقدمها منظمة أطباء بلا حدود، شملت أقسام الرقود والحضانة للحالات التي تحتاج البقاء في المستشفى لعدة أيام.
غير أن انسحاب المنظمة من المستشفى أثار حالة من الحزن والقلق في الأوساط المجتمعية، خاصة لدى الأسر التي كانت تعتمد عليه بشكل كبير للحصول على الخدمات الصحية المجانية.
بدورها، تقول أم محمد (30 عامًا): “أنجبت طفلين في السنوات الماضية، وكنت أتابع حملي في مستشفى الجمهوري مجانًا، كما كنت أحصل على الأدوية دون مقابل، وألد فيه دون أن أتحمل أي تكاليف سوى المواصلات وبعض الأمور البسيطة التي لا يوفرها المستشفى”.
وأضافت لـ”يمن مونيتور”: “الكثير من قريباتي وصديقاتي كن يعتمدن بشكل كامل على هذا المستشفى للعلاج والحصول على وسائل تنظيم الأسرة وغيرها من الخدمات الصحية التي كانت تساعدنا على استعادة عافيتنا والحفاظ عليها”.
وتابعت: “أنا الآن حامل بطفلي الثالث، ولم أكن أعلم أن المنظمة قد انسحبت من المستشفى وأن الخدمات لم تعد مجانية. ذهبت قبل أكثر من شهر لإجراء فحص بالسونار، وفوجئت عندما طلبت مني الطبيبة التوجه إلى الصندوق ودفع رسوم الفحص البالغة 3500 ريال قبل إجرائه”.
وأردفت: “قد يبدو هذا المبلغ بسيطًا للبعض، لكنه ثقيل جدًا بالنسبة لمن لا يملك القدرة على دفعه. شعرت حينها بإحباط كبير، ولم أعد أفكر في قيمة الفحص بقدر ما أصبحت أفكر بتكاليف الولادة، وإبرة الفصيلة التي كنت أحصل عليها سابقًا مجانًا”.
وفي ختام حديثها، ناشدت أم محمد بعودة المنظمات الإنسانية إلى تقديم خدماتها كما كانت في السابق، للتخفيف من معاناة المواطنين في ظل الظروف المعيشية الصعبة، التي بالكاد يستطيع فيها رب الأسرة توفير أساسيات الحياة اليومية.
The post انحسار دعم المنظمات يحوّل مستشفيات تعز من ملاذ مجاني إلى عبء على المرضى appeared first on يمن مونيتور.