ترجمة وتحرير “يمن مونيتور”
حولت الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران المحيط الهندي إلى مسرح لمواجهات بحرية كبرى. ففي الثاني من مارس، ورداً على الضربات الأمريكية الإسرائيلية، أعلنت إيران إغلاق مضيق هرمز، وهو الممر البحري الحيوي الذي يربط مياه الخليج بالمحيط الهندي وما وراءه. وفي الرابع من مارس، أغرقت غواصة أمريكية الفرقاطة الإيرانية “دينا” قبالة سواحل سريلانكا. ومنذ اندلاع النزاع، تعرضت 18 سفينة على الأقل لهجمات في مياه الخليج.
وتزعم الولايات المتحدة الآن أن البحرية الإيرانية قد دُمّرت، ومع ذلك، لا يزال مضيق هرمز مغلقاً من الناحية العملية. وبينما يرى بعض المحللين أن إيران تفتقر إلى القوة اللازمة للسيطرة الكاملة على المضيق، إلا أن الاستراتيجية الإيرانية لا تعتمد على السيطرة البحرية التقليدية؛ فإذا تمكنت إيران من شن هجمات صاروخية أو بطائرات مسيرة من سواحلها، فإنها تستطيع فرض مخاطر كافية لتعطيل حركة الملاحة. وتجسد التجربة الأخيرة في البحر الأحمر هذه الديناميكية، حيث أدت هجمات الحوثيين بالصواريخ والمسيرات، رغم محدودية عددها نسبياً، إلى انخفاض حركة مرور الحاويات في المنطقة بنحو 90% عام 2024.
وسيكون لقدرة إيران على إغلاق المضيق جوهرياً تأثير متتابع على حركة الملاحة البحرية الأوسع، مما يخلق مخاطر أمنية جديدة مع سعي السفن لاتخاذ طرق بديلة. وبينما توعدت إيران بعرقلة التجارة الدولية لممارسة الضغط على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قد تسعى الولايات المتحدة لاعتراض السفن المتجهة إلى إيران، مما يخلق ظروفاً خطيرة للتصعيد في المحيط الهندي المزدحم بشكل متزايد.
- صمت صواريخ الحوثيين.. هل غلبت حسابات البقاء وعود الانتقام؟.. مجلة أمريكية تجيب
- (بلومبرج).. إسرائيل تخطط لموطئ قدم جديد في البحر الأحمر لمواجهة الحوثيين وسط الحرب الإيرانية
- كيف ترى إسرائيل عدم انضمام الحوثيين إلى الحرب.. حتى الآن؟… وجهة نظر “عبرية”
تزايد مخاطر الحوادث والمصادرات الأمريكية
أوجد الصراع الحالي حصاراً واقعياً تسعى فيه الولايات المتحدة لمنع العبور البحري أو الوصول إلى إيران، بينما تسعى طهران في الوقت نفسه إلى وقف كافة التحركات عبر المضيق.
وقد خلقت هذه الاستراتيجيات المتصارعة بيئة تشغيلية يسودها عدم يقين شديد للسفن التجارية في الخليج. ووفقاً لتقرير صادر عن “لويدز ليست إنتليجنس” (Lloyd’s List Intelligence)، عطلت أكثر من 40 سفينة إشارات نظام التعريف التلقائي (AIS) الخاص بها عند بدء الصراع، وهي ممارسة تُعرف باسم “الإبحار المظلم”. وعادةً ما تعمد السفن إلى إيقاف هذا النظام لإخفاء أنشطة غير مشروعة، وكثير من هذه السفن يتبع لـ “أسطول الظل” الإيراني الخاضع للعقوبات، ومن المرجح أن يرتفع عدد هذه السفن “المظلمة”.
وفي الوقت ذاته، بدأت عدة دول خليجية استخدام التشويش على نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) للتدخل في عمل الصواريخ الموجهة. ورغم أن هذا الإجراء دفاعي في جوهره، إلا أنه يعطل أيضاً أنظمة الملاحة التي تستخدمها السفن المدنية. وقد تصبح إشارات نظام التعريف التلقائي مشوشة أو غير موثوقة، مما يجعل التواصل بين السفن وتجنب التصادم أمراً أكثر صعوبة. ومع تقييد قدرات البحث والإنقاذ البحري بسبب الصراع، فإن هذا التشويش يزيد بشكل كبير من مخاطر وقوع الحوادث.
وفي خضم هذه الفوضى، أعلنت إيران أنها ستسمح للسفن الصينية بالمرور عبر المضيق. وردًا على ذلك، تحاول بعض السفن استخدام أجهزة الإرسال والاستقبال الخاصة بها لتعريف نفسها كخلفية صينية؛ فعلى سبيل المثال، قامت ناقلة بضائع ترفع علم ليبيريا تدعى “سينو أوشن” ببث إشارة وجهتها كالتالي: “مالك صيني_كامل الطاقم” للعبور من مضيق هرمز.
ورغم أن هذه العمليات لا تهدف بالضرورة إلى نشاط غير قانوني، إلا أنها تمثل فئة جديدة من “عمليات التمويه” (false flag) في الشحن، والتي تتضمن التضليل المتعمد بشأن دولة علم السفينة للإفلات من الرقابة. وتُستخدم هذه التكتيكات غالباً من قبل سفن أسطول الظل التي تنقل سلعاً خاضعة للعقوبات. وبموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يُعتبر كل من التمويه وتغيير علم السفينة أثناء الرحلة عملاً غير قانوني.
وإجمالاً، يؤدي التشويش على نظام تحديد المواقع، والسفن المظلمة، وإشارات التمويه إلى حالة من الغموض الكبير بشأن هوية وأنشطة السفن في المنطقة. ويعقد هذا الغموض عملية تحديد المسؤولية عن الحوادث البحرية، ويزيد من احتمالية قيام القوات البحرية بتفسير سلوك السفن التجارية بشكل خاطئ.
واستجابةً لذلك، من المحتمل أن تكثف الولايات المتحدة عمليات مصادرة السفن في أنحاء المحيط الهندي، خاصة تحت ذريعة الصراع المستمر. ففي 24 فبراير، وقبل الهجوم على إيران، صادرت الولايات المتحدة ناقلة نفط يُزعم ارتباطها بتجارة النفط غير المشروعة لفنزويلا قبالة سواحل سريلانكا. وفي نوفمبر الماضي، صادرت الولايات المتحدة أيضاً سفينة شحن كانت متجهة من الصين إلى إيران عبر المحيط الهندي.
طرق بديلة في محيط مزدحم
سيؤدي إغلاق مضيق هرمز إلى إعادة توجيه الشحن إلى مسارات أخرى تنطوي على مخاطرها الخاصة. فمنذ 2 مارس، انخفض حجم حركة المرور حول هرمز بشكل حاد، كما قررت العديد من السفن تجنب قناة السويس كإجراء احترازي.
وسيؤدي ذلك إلى زيادة حركة المرور عبر قناة موزمبيق ورأس الرجاء الصالح، حيث تحاول السفن اتخاذ الطريق الطويل حول أفريقيا. وبسبب التباطؤ، وارتفاع التكاليف، وعدم اليقين بشأن مدة الصراع، قد تظل العديد من السفن في الموانئ الممتدة على طول المحيط الهندي.
وستخلق هذه التحولات في الحركة البحرية مخاطر أمنية جديدة؛ فالطرق المزدحمة أو التي تفتقر للدوريات الكافية غالباً ما تجذب القراصنة والأنشطة غير المشروعة الأخرى. فعلى سبيل المثال، هاجم القراصنة العاملون من الصومال تاريخياً السفن قبالة سواحل أفريقيا في غرب المحيط الهندي، وتشهد القرصنة الآن ارتفاعاً من جديد.
وتاريخياً، استجابت القوات البحرية بزيادة الدوريات أو توفير المرافقة للسفن في المياه عالية المخاطر. فعلى سبيل المثال، تقدم القوة البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي (عملية أتالانتا) الحماية للسفن في شمال غرب المحيط الهندي منذ عام 2008. كما وسع الاتحاد الأوروبي مهمة الأمن البحري (عملية أسبيدس)، التي أُطلقت في عام 2024 لحماية الشحن من هجمات الحوثيين، لتشمل حماية حرية الملاحة عبر مضيق هرمز وبحر العرب.
وفي قناة موزمبيق، دأبت القوات البحرية لجنوب أفريقيا والهند وفرنسا على إجراء دوريات لمكافحة القرصنة. وبالمثل، شاركت الصين في عمليات مكافحة القرصنة في خليج عدن، حيث نشرت مجموعة المهام البحرية الثامنة والأربعين في عام 2025.
ومع ذلك، فإن تجمع هذه القوى البحرية المختلفة يعني أن الحوادث الطفيفة قد تتصاعد بسرعة. فمصادرة سفينة من قبل الولايات المتحدة، على سبيل المثال، قد تستدعي رداً من سفن المرافقة الصينية إذا كانت السفن المعنية مرتبطة بالصين. ومع عمل قوى متعددة على مقربة من بعضها البعض في مياه متنازع عليها ومزدحمة، تزداد احتمالات المواجهة والتصعيد بشكل دراماتيكي.
خيارات منع الصراع
للحد من هذه المخاطر، ينبغي للدول العاملة في المنطقة السعي وراء آليات عملية لخفض التصعيد، مسترشدة بنماذج اتفاقيات السلامة البحرية القائمة. فخلال الحرب الباردة، وضعت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي بروتوكولات “الحوادث في البحر” لمنع المواجهات البحرية العرضية. وتوجد آليات مماثلة اليوم في بحر الصين الجنوبي من خلال لوائح التصادم وقواعد اللقاءات غير المخطط لها.
وفي الأزمة الحالية، قد لا يملك المسؤولون الوقت للتفاوض على معاهدات شاملة. ومع ذلك، يمكن للمنظمات الإقليمية، مثل لجنة المحيط الهندي أو الأطر غير الرسمية مثل مجموعة “كواد” (Quad)، وضع مبادئ توجيهية عملياتية مؤقتة. وحتى المعايير الطوعية للاتصالات وتحديد الهوية والملاحة يمكن أن تعمل كتدابير لبناء الثقة على المدى القصير، وتتطور لاحقاً إلى قواعد أكثر رسمية.
وثمة خيار آخر يتمثل في إنشاء ممرات بحرية إنسانية محدودة، غرار مبادرة حبوب البحر الأسود التي أُنشئت رداً على الغزو الروسي لأوكرانيا. وبينما تركز معظم النقاشات حول إغلاق مضيق هرمز على تأثيره على أسواق النفط العالمية، فإن التداعيات الإنسانية على دول الخليج لا تقل أهمية؛ فدول مثل الكويت والبحرين وقطر والعراق تعتمد بشكل كبير على الواردات البحرية لتأمين الإمدادات الأساسية. وبالنسبة لهذه الدول، لا يوجد بديل فوري لتعويض الانقطاع المطول في مضيق هرمز.
وعليه، فإن وضع ممارسات سلامة مشتركة وترتيبات عبور محدودة من شأنه أن يقلل من المخاطر الإنسانية واحتمالات التصعيد العرضي. وفي بيئة بحرية تزداد ازدحاماً وتوتراً، قد تساعد حتى قواعد السلوك المؤقتة في منع تحول المواجهات المحلية إلى صراعات أوسع نطاقاً في المحيط الهندي وما وراءه.
The post صراع مضيق هرمز يمتد إلى المحيط الهندي appeared first on يمن مونيتور.