ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
انظر الى كل هذا اللطف وكل هذه الاشراقات في هذه الآية. إنها آية تفتح للنفس أبواب العفو والصفح وتجمله كمكسب وتُعيد ترتيب القيم في داخل الإنسان. فالعفو ليس مجرد ردّة فعل عابرة بل هو قيمة أخلاقية سامية ونورٌ قائمٌ بذاته يبقى مشرقًا مهما تغيّرت الظروف وتبدّلت وجوه الناس
العفو لا يفقد جماله بسبب الخطأ ولا يخبو نوره بسبب الإساءة. بل إن وجود الخطأ هو الذي يمنح العفو معناه الحقيقي. فلو خلا العالم من الزلل لما وُجدت فضيلة العفو أصلاً.
وحتى الطباع الخشنة أو النفوس المسيئة لا تنتقص من جلال العفو بل تزيده صفاءً ورفعة.
ومن يعفو لا يمنح الآخر فضلًا بقدر ما يمنح نفسه صفاءً وارتقاءً. إنه يطوي صفحةً من الضيق في قلبه، ويكتب في صحيفته سطرًا من النور.
العفو في جوهره تحريرٌ للنفس قبل أن يكون إحسانًا للغير؛
فمن يصفح إنما يفتح لنفسه أبواب الطمأنينة ويصعد بروحه درجاتٍ أعلى من صفاء القلب وسكينة الروح.
وتدبر تلك الوقفة الرقيقة التي تهزّ القلب بلطفٍ عجيب:
﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾
إنها كلمة تمسّ أعمق ما في الإنسان. تذكّره بضعفه وبأنه بشر يخطئ ويزلّ وأنه في حاجةٍ دائمة إلى مغفرة الله ورحمته وعفوه
فإذا كان الإنسان يفرح بعفو الله عنه فكيف يبخل بالعفو على غيره؟!
إن العفو هنا ليس خسارة، بل ربحٌ عظيم. هو طريقٌ إلى مغفرةٍ أوسع ورحمةٍ أعظم.
وكأن هذه الآية تدعو الناس دعوةً لطيفة إلى سباقٍ جميل:
سباقٍ نحو الصفح، لا نحو الانتقام
نحو الرحمة، لا نحو القسوة.
نحو الحب لا نحو الكراهية
نحو السلام لانحو الحرب
نحو تحويل الاساءة الى دافع لنشر الاحسان وشيوع قيم الاخوة
وهكذا يتحوّل العفو من موقفٍ أخلاقي عابر إلى مقامٍ روحي رفيع يعلو فيه الإنسان على جراحه ويقترب أكثر من نور الرحمة الإلهية ويظفر بعفو ربه الكريم كجائزة عظمى للعفو والصفح والتسامح الجميل
﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ
أخبار ذات صلة.