عربي
يسهل وصف "صوت السقوط" (Sound of Falling)، للألمانية ماشا شيلينسكي، بالعمل الملحمي، لتوفّره على شروط فنية وموضوعية، تجعل هذا الوصف مُستحقاً. فالفيلم (2025) ينقل معاناة أربعة أجيال كاملة من عائلة ألمانية تقطن الريف، في مرحلة ممتدة من قبل الحرب العالمية الأولى إلى الزمن المعاصر.
ركّزت شيلينسكي، بشكل محوري، على المرأة، باعتبارها مركز التجربة الإنسانية، متتبّعة أدوارها ومكانتها الاجتماعية، وكيفية تعاملها مع الإكراهات الأسرية والمجتمعية في الحرب والسلم، انطلاقاً من فضاء ريفي مُحافظ وقاسٍ، خاصة في علاقته بالنساء والأطفال، إذ تتكشّف أشكال عدّة من الصراع والصمت الاجتماعي.
في 155 دقيقة، رصدت شيلينسكي معظم التحولات الكبرى التي شهدها المجتمع الألماني، في قرن وربع القرن تقريباً. فعلت هذا من الهامش، بعيداً عن مركزية المدن الكبرى، وجبهات القتال الصاخبة، وجعلت الحكاية تتشكّل في فضاءات الطبيعة الريفية، من ربى وأنهار ومزارع وحقول زراعية. إنها أماكن تفتّحت فيها آلام الشخصيات، وتوزعت بين أفراد العائلة عبر الأجيال.
بذلك، غدا "صوت السقوط" أشبه بوثيقة سوسيولوجية بالغة الأهمية، منحت المتلقّي فرصة فهم بنية المجتمع الألماني الريفي، واستيعاب أنماط عيشه، وطريقة تفاعله مع التحولات التاريخية الكبرى، وتفاصيل الحياة اليومية الصغيرة.
كشف الفيلم، الفائز بجائزة لجنة تحكيم مسابقة الدورة الـ78 (13 ـ 24 مايو/أيار 2025) لمهرجان كانّ السينمائي، عن ولادة مخرجة سينمائية مهمّة، لديها الأدوات الضرورية لتقديم سينما متكاملة، تعتمد على البعد التأملي والفلسفي، وتنتصر للأسلوب الهادئ والبطيء والعميق، الذي تدعمه المشاهد الشعرية، واللغة السينمائية الطافحة بالرمزية، والجماليات التي تجلّت بوضوح في معظم مشاهده وفصوله. برزت هذه الخصائص بشكل أكبر، لأن شيلينسكي كتبت السيناريو بنفسها، ما عكس عمق موهبتها وقدرتها على مزج الرؤية الفكرية بالحس السينمائي، رغم حداثة تجربتها، وانتمائها إلى الجيل الجديد من صانعي السينما الألمانية.
سؤال جوهري يُطرح: ما أبرز الجماليات التي أفرزها هذا العمل الملحمي؟
تتضح الإجابة عبر عناصر شكّلت الرؤيا الكلية، أولها تغييب البطل/البطلة التقليدية، إذ وُزّعت البطولة على معظم الشخصيات الكثيرة. هذا التعدّد لم يضعف قيمة التمثيل، بل أتاح لكل ممثل تقديم أقصى ما لديه من قوة الأداء، فيصعب أحياناً التمييز بين العملين الروائي والوثائقي، لشدّة واقعية المشاهد، وطبيعية الأداء. بفضل هذا التوزيع، لم يكن صعباً على المشاهد تلقي أوجاع الفيلم وأحزانه: الفَقْد، والقسوة، والحب، والاكتشاف، والبُعد، والشهوة، والترقّب، والحلم. كلّها عواطف تتطلّب موهبة كبيرة لتأديتها، وتحويلها من فكرة مكتوبة/مرسومة إلى عاطفة حقيقية ومرئية، عبر البعد البصري.
هنا، تجلّت موهبة شيلينسكي في توجيه تلك الأبعاد، عبر حسن تعاطيها مع فريق العمل، فإخراج المشاهد بهذه القوة والجمال والواقعية ليس مهمة فردية، بل جهد مشترك، يتكامل فيه كل فرد في الفريق، لتكتمل المَشاهد، لغة بصرية وانسجاماً درامياً وجمالية عامة.
هذه المنطلقات الجمالية لم تكن سوى وسائل لعكس الرؤيا الفلسفية الكبرى، المتمثلة بمشكلة توريث القسوة أو المجايلة. أي أن الحزن والوجع والعنف يمكن انتقالها من جيل إلى آخر، فصفعة واحدة لطفل تؤثّر على أحفاده بطريقة ما. هذه الفكرة جريئة ومهمة، صيغت بأسلوب مبتكر وذكي، ونسجت عبر تفاصيل الفيلم كافة، من دون أن يشعر المشاهد بأي خطابية مباشرة، فطريقة السرد طبيعية، فرضتها قوة السيناريو.
من جهة أخرى، ساهم المونتاج (إيفلين راك) في تحويل هذه العناصر إلى قطع متماسكة ومتراصة ومتجانسة، بينما أضاف التصوير السينمائي (فابيان غامبر) السحر واللغة البصرية، التي تعكس الجو النفسي والعاطفي. بهذا، أصبح "صوت السقوط" قطعة فنية متكاملة، شُكّلت جمالياته المتعددة بعناصره وركائزه المختلفة، مع إعطاء كل تفصيل أهميته وأسبقيته، فكان نتاجَ تكاثف التفاصيل الصغيرة والكبيرة معاً.
"صوت السقوط" (النظر إلى الشمس، In die Sonne schauen، بحسب العنوان الأصلي) يُعدّ قطعة سينمائية مهمّة للغاية. جاء في فترة تركيز السينما، خاصة السينما الألمانية، على المدن والبيوت المغلقة، مغفلةً فضاءات الضواحي والأرياف. لذا، شكّل لحظةَ انتصار كبرى للبعد البصري الطبيعي، والموضوعات النفسية التي تصنع العقد المرضية للإنسان. هذا يؤكد قوة الأفلام التي تُصوَّر في فضاءات مفتوحة، بعيداً عن المعيقات البصرية، والإبهار العمراني، وكثرة المعطيات التي تشتّت البصر والانتباه. ومن خلال هذا الخيار البصري، أبرز الفيلم العمق النفسي والعاطفي للشخصيات، وركّز على السلوكيات الجماعية والفردية في الأسرة، وأظهر كيف يمكن لهذه الديناميات أن تؤثّر على الأجيال المتعاقبة بشكل كامل.
بهذه الطريقة، أصبح الفيلم شهادة على قيمة الفضاءات المفتوحة في السينما، وقدرتها على تعزيز السرد النفسي والاجتماعي، وإعطاء المشاهد تجربة عميقة ومركّزة، تتجاوز الزخرفة العمرانية والتعقيد البصري المعتاد في الأعمال المعاصرة.

أخبار ذات صلة.
ماكتومناي يقترب من العودة لـ«نابولي»
الشرق الأوسط
منذ 7 دقائق
التعليم المصري يدخل «مفرزة» سوق العمل
الشرق الأوسط
منذ 11 دقيقة