يمن مونيتور/تقرير خاص
لطالما كانت المساجد في اليمن قلب الحياة الروحية والاجتماعية، ومركزًا للعبادة والتجمع المجتمعي، خصوصًا خلال شهر رمضان المبارك، حيث تُقام صلاة التراويح والتهجد، ويقضي المعتكفون العشر الأواخر في قراءة القرآن والدعاء والتجدد الروحي.
إلا أن هذه الصورة التقليدية تغيرت بشكل جذري في مناطق سيطرة جماعة الحوثي، حيث تحولت المساجد من أماكن للعبادة إلى منصات لبث الخطاب الطائفي والسياسي.
مختار حسين، شاب يبلغ من العمر 25 عامًا من منطقة الشرفين بمحافظة حجة، يروي تجربته اليومية قائلًا إن “أصدقاءه كانوا يذهبون إلى المسجد لأداء صلاة العشاء والتراويح، لكنهم أصبحوا الآن يُجبرون على الاستماع لمحاضرات زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي لمدة ساعة كل يوم”. ويضيف: “أصبحت خطابات الحوثي بعد الصلوات لا تُطاق، خصوصًا في شهر رمضان الذي كان يشهد عادة روحانية خاصة وطقوسًا تقليدية متوارثة”.
ويشير مختار، في تصريح لـ”يمن مونيتور”، إلى أن هذه الممارسات لم تقتصر على مسجد قريتهم، بل امتدت لتشمل كل الجوامع عبر مكبرات الصوت، ما أثار ضيق السكان. ويضيف أن “المساجد كانت في السابق أماكن للتدبر في القرآن والتجديد الروحي، أما الآن فهي أداة لترويج أفكار الحوثي الطائفية والتحشيد السياسي”.
ويؤكد مختار أن الخطابات اليومية تتضمن سردًا لتاريخ الطائفة، والحديث عن الاستعداد للحرب، واستعراض نفوذ الجماعة، ما أدى إلى نفور المصلين من المسجد.
ويصف أحد المواقف قائلًا: “ذهبت لأداء صلاة العصر وزيارة جدي المعتكف في المسجد، فوصل خمسة أشخاص تابعين للجماعة وفتحوا الميكروفون للحديث لمدة ساعة ونصف عن ذكرى مقتل علي بن أبي طالب، والتحريض ضد دول الخليج، مستندين إلى دروس غريبة من ملازم حسين بدر الدين الحوثي”.
هذا التغيير في وظيفة المساجد يعكس سيطرة الحوثيين على مؤسسات المجتمع المدني والديني، وتحويلها إلى أدوات للتوجيه السياسي والدعائي، على حساب ممارسة الشعائر الدينية بحرية. وتشير تقارير محلية إلى أن المساجد كانت من أولى المؤسسات التي استُخدمت لبث الخطاب الطائفي للجماعة، مع فرض خطباء يتبعون الجماعة واستخدام مكبرات الصوت لبث محاضرات زعيمهم، مما يعكس مدى النفوذ والسيطرة المطلقة على حياة السكان اليومية.
من القرى إلى المدن
ولا يختلف الوضع في المدن، بل يتفاقم مع كثرة المساجد ومكبرات الصوت. خالد عبد الرحمن، ساكن وسط صنعاء، يشكو من التكرار المستمر لخطابات الحوثيين عبر الجامع المجاور لمنزله، ويقول: “أصبحت أسرتي تضيق ذرعًا من الميكروفون المرتفع ومن خطابات ما أنزل الله بها من سلطان”. ويضيف أن الجماعة قامت بتركيب العشرات من مكبرات الصوت في الشوارع الرئيسية والأسواق والمباني الحكومية لنشر خطابها الطائفي.
خالد عبد الرحمن، أحد سكان وسط صنعاء، يشكو من تكرار خطابات زعيم الحوثيين عبر مكبرات الصوت في الجامع المجاور لمنزله، ويقول لـ”يمن مونيتور”: “أصبحت أسرتي تضيق ذرعًا من الميكروفون المرتفع، ومن خطابات ما أنزل الله بها من سلطان”. ويشير خالد إلى أن جماعة الحوثي قامت بتركيب العشرات من مكبرات الصوت في شوارع رئيسية وأسواق ومبانٍ حكومية، لتوسيع نطاق خطاباتها الطائفية، بما في ذلك في الأماكن العامة حيث لا مجال للهرب منها.
ويؤكد باحث يمني في الشؤون الدينية لـ”يمن مونيتور”، طلب عدم الكشف عن هويته، أن الجماعة كثفت منذ بداية شهر رمضان جهودها لحشد أتباعها والتحضير لما تصفه بالحرب المقبلة ضد أمريكا وإسرائيل. ويضيف: “ما تقوم به الجماعة في المساجد والأماكن العامة ليس مجرد دعوة دينية، بل محاولة لفرض أفكارها بالقوة، لكن نتائجها قد تكون عكسية، فالكثير من الناس يمتنعون عن الحضور خوفًا من الخطاب المكثف والدعاية الطائفية”.
ويشير الباحث إلى أن مساجد صنعاء تحولت في أول ليالي رمضان إلى “أماكن للمقيل ومشاهدة القصص التي يشرحها زعيم الجماعة تحت مسمى دروس دينية”، بعيدًا عن روحانية رمضان المألوفة، مثل صلاة التراويح والتهجد والذكر.
وفي أول ليالي رمضان، تحولت مساجد صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين إلى أماكن للمقيل ومشاهدة “دروس دينية” يقدمها زعيم الجماعة، بينما شنت الجماعة خلال الأيام الأولى حملة اعتقالات استهدفت أئمة المساجد في مديرية حبيش بمحافظة إب، وأغلقت مسجدًا كبيرًا في مركز مديرية الشعر، كما اعتُقل أئمة معروفون بتوجهاتهم السلفية مثل عكاشة عبد الله، وجمال العرومي، ويوسف الفايق، وهيثم الجيبلي.
منذ انقلابها، سعت الجماعة إلى فرض السيطرة المذهبية على السكان، بمنعهم من أداء الصلوات المعتادة خلال رمضان، وفرض خطباء تابعين لها، واستخدام مكبرات الصوت لنشر خطابها الطائفي والدعاية السياسية. هذا التحول يعكس رغبة الحوثيين في استغلال الرموز الدينية لتعزيز نفوذهم وفرض ولاء السكان، على حساب حرية الممارسة الدينية والموروث الروحي المجتمعي.
المساجد في رمضان بين العبادة والخطاب الطائفي
مع حلول شهر رمضان، الذي كان دائمًا يشهد تجمعات المسلمين في المساجد لأداء صلاة التراويح والتهجد والذكر، شهدت المساجد في مناطق سيطرة جماعة الحوثي تغييرات جذرية. لم تعد هذه الأماكن مجرد منابر للعبادة، بل أصبحت ساحات لفرض الخطاب الطائفي والسياسي للجماعة، مع محاولات ممنهجة لتقييد ممارسة الشعائر الإسلامية التقليدية.
إمام أحد المساجد في صنعاء أوضح أن السبب الحقيقي وراء القيود الحوثية على صلاة التراويح هو اعتبار الجماعة لها “بدعة”، ويقول إن “أول من أقام صلاة التراويح هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ونظرًا لكره الحوثيين لعمر، يريدون منع الناس من إقامتها”. وأضاف أن الحوثيين يسعون لتخريب بيوت الله، ومنع الناس من الاجتماع على الخير، واستبدال العبادة بخرافاتهم، بما في ذلك لعن الصحابة بعد كل صلاة.
من جانبه، يشير المواطن فهد سفيان إلى التناقض في سياسات الجماعة: “يفتح الحوثيون مكبرات الصوت لإذاعة خطابات زعيمهم واحتفالاتهم، بينما يمنعون أئمة المساجد من استخدام المكبرات لإقامة صلاة التراويح بحجة عدم إزعاج المرضى والأطفال، ويخلقون مشاكل بين المصلين الذين يرغبون في سماع الخطاب الديني الصحيح وخطاب عبد الملك الحوثي”.
ويضيف في حديثه لـ”يمن مونيتور” أن منع التراويح جاء تدريجيًا: أولًا من خلال منع مكبرات الصوت، ثم اقتحام المساجد وتغيير الأئمة وحفاظ القرآن، لإلغاء هذه الشعيرة تدريجيًا.
أحد أئمة مساجد محافظة حجة، الذي فضل عدم الكشف عن هويته، وصف الوضع بأنه “مزري ولا يسر إلا أصحاب القلوب المريضة”، مضيفًا أن الجماعة جاءت لتفرض أفكارها الطائفية الغريبة على المجتمع اليمني، مدعية أنها “ولي الله في أرضه”، وأن أي معارضة لها تُقابل بالظلم والقمع والقتل والخراب.
وأكد في حديثه لـ”يمن مونيتور” أن الجماعة تركت “جروحًا غائرة في كل أسرة وكل منطقة، من عزلة وقرية إلى المدن”، مستهدفة بذلك النسيج الاجتماعي والروحي للمجتمع اليمني.
ويضيف الإمام أن الحوثيين يمارسون إرهابًا فكريًا ممنهجًا ضد الناس؛ فقد كانت أصوات المآذن الصادحة بتلاوة القرآن في صلاة التراويح رمزًا لجماليات رمضان، لكنها اليوم محرمة على السكان، ليس بسبب أي نص ديني، بل بسبب الحقد المذهبي والطائفي، ولسماع “صوت شيطانهم الكبير” كما وصفه.
The post المساجد في مناطق الحوثيين.. منابر العبادة تتحول إلى منصات للخطاب الطائفي appeared first on يمن مونيتور.