عربي
خلال أقل من أسبوع، شهدت منطقة الخليج إعلانات متتالية عن "القوة القاهرة" في قطاع الطاقة؛ وعلى رأسها إعلان شركة قطر للطاقة وقف إنتاج الغاز المسال وإخطار عدد من المشترين في آسيا وأوروبا بتفعيل بند القوة القاهرة، بعد هجمات على منشآت رأس لفان ومسيعيد، ما يعني عملياً تعليق جزء من الالتزامات التعاقدية، نتيجة الحرب الجارية وتداعياتها على البنية التحتية وممرات الشحن.
ومن شأن ذلك إحداث خفض حاد في الإمدادات قد يستمر لأسابيع، حسب تقدير نشرته منصة "إنرجي ناو"، المتخصصة في قطاع الطاقة، مشيرة إلى تحركات خليجية موازية لإعادة تقييم مدى القدرة على الالتزام بالكميات التعاقدية في ظل اتساع نطاق الحرب. ودفعت هذه التطورات منصات متابعة أسواق الطاقة، ومنها منصة "موني كنترول"، إلى التحذير من أن تجميد جزء من الصادرات الخليجية سيغير توازنات سوق الغاز العالمية، خصوصاً في أوروبا التي لا تزال خارجة من أزمة 2022، وآسيا التي تعتمد على قطر وحدها في نسبة كبيرة من وارداتها من الغاز الطبيعي المسال.
وأفادت وكالة "بلومبيرغ" الأميركية، أمس، بأن أكبر محطة لتصدير الغاز الطبيعي المسال في قطر لم تصدر أي شحنة منذ خمسة أيام، وهي أطول فترة متواصلة منذ عام 2008، مما يهدد برفع أسعار الوقود أكثر.
القوة القاهرة
ويعرف بند القوة القاهرة في عقود الطاقة من الناحية القانونية على أنه شرط تعاقدي يسمح لطرف ما بتعليق أو تقييد تنفيذ التزاماته إذا وقع حدث خارج عن إرادته يجعل التنفيذ مستحيلاً أو بالغ المشقة، مثل الحرب، أو إغلاق الممرات البحرية، أو الهجمات على المنشآت، أو قرارات حكومية تقيد الإنتاج والتصدير.
لكن هذا البند لا يعمل تلقائياً، بل يشترط عادة أن يكون الحدث منصوصاً عليه أو قابلاً للقياس على قائمة محددة من المخاطر، وأن يثبت الطرف المتضرر أنه بذل جهداً معقولاً للتخفيف من آثاره، وأن يخطر الطرف الآخر خلال مهلة زمنية واضحة مع تقديم أدلة فنية وقانونية على تعذّر التنفيذ، إضافة إلى أن التعطل يكون مؤقتاً لا دائماً، وإلا انتقل الأمر إلى أحكام إنهاء العقد أو إعادة التفاوض، حسبما أورد تقرير نشرته منصة Harper James القانونية.
وتفسّر هذه الشروط لماذا تسارع شركات ودول منتجة للطاقة إلى إصدار إخطارات رسمية للعملاء عند وقوع هجمات أو اضطرابات في مناطق الإنتاج أو التسييل، مع تحديد نطاق القوة القاهرة: هل تشمل توقفاً كاملاً للإمدادات، أم خفضاً جزئياً، أم تعطيلاً في ميناء أو منشأة بعينها، فهذا التحديد مهم لكونه يرسم حدود الحماية القانونية؛ فطالما التزمت الجهة المعلِنة بنصوص البند وإجراءاته، فإن مسؤوليتها عن التأخير أو عدم التسليم تتقلص بشكل كبير، وتُمنح إعفاء واسعاً من الغرامات والتعويضات التعاقدية، وإن ظلت بعض المساحات الرمادية محل نزاع، وفقاً لما أورده دليل صياغة بنود القوة القاهرة الذي نشره البنك الدولي.
وفي عقود الغاز الطبيعي المسال والنفط طويلة الأجل، يؤدي تفعيل القوة القاهرة غالباً إلى تعليق الالتزام بتسليم كميات محددة في جداول زمنية معينة، مع بقاء العقد نفسه سارياً من حيث المدة والصيغة السعرية وآليات المراجعة الدورية للأسعار.
وفي الحالات القصيرة تُرحل أحياناً بعض الشحنات أو تُعاد جدولة التسليم لاحقاً، لكن إذا طال التعطل، قد تطالب بعض الشركات المستوردة بفتح بنود إعادة التفاوض، أو تفعيل شروط مراجعة الأسعار، خصوصاً إن اعتبرت أن مخاطر الاعتماد على مورد واحد في منطقة متوترة لم تعد مقبولة تجارياً، ومع ذلك لا تمنح القوة القاهرة للمشتري أو البائع حقاً تلقائياً لإنهاء العقد.
أداة قانونية
يؤكد الخبير والمحاضر في الرقابة القضائية الاقتصادية والأكاديمي، باسكال ضاهر، لـ"العربي الجديد"، أن "القوة القاهرة" في قطاع الطاقة، من منظور القانون التجاري الدولي واقتصاد الطاقة يمثل ظرفاً خارجياً غير متوقع ولا يمكن دفعه بالوسائل المعهودة، ولا يخضع للسيطرة البشرية، وعند تحقق شروطه تتحلل الدولة أو الشركة من الوفاء بالتزاماتها التعاقدية دون تحمل عقوبات".
ويوضح ضاهر أن هذا المفهوم في قطاع النفط والغاز يشمل تحديداً النزاعات المسلحة، والعقوبات الدولية، والكوارث الطبيعية، أو الأعطال التقنية الكبرى التي تعطل الإنتاج أو النقل، ما يمنح إعفاء مؤقتاً من المسؤولية المالية بشرط إثبات أن الحدث خارجي، ولم يكن بالإمكان تفاديه.
ويصف ضاهر "القوة القاهرة" بأنها أداة قانونية واستراتيجية بالغة الأهمية للدولة أو الشركة المنتجة، حيث تعكس تقاطعاً معقداً بين القانون والاقتصاد والسياسة الدولية يؤثر مباشرة في مستويات الإنتاج والالتزامات التعاقدية وأسعار الطاقة العالمية واستقرار سلاسل الإمداد، مشيراً إلى أن الإعلان عن هذه الحالة يهدف في جوهره إلى تجنب الغرامات والتعويضات أثناء وقوع أحداث طارئة، شريطة الالتزام بشروط قانونية دقيقة تختلف تفاصيلها حسب نوع العقد، لكنها تتفق جميعها على ضرورة وجود بند تعاقدي واضح يصف الأحداث المقبولة ويلزم بالإخطار الفوري للأطراف الأخرى، وتحديد نطاق الإعفاء، ومدة تعويض الكميات لاحقاً.
ويشير ضاهر إلى أن المواثيق الدولية مثل "الأونسيترال" (UNCITRAL) واتفاقية فيينا للبيع الدولي للبضائع (CISG) تعترف بحالة القوة القاهرة باعتبارها سبباً مشروعاً لتعليق الالتزامات، شريطة أن يكون الحدث مفاجئاً وخارجياً وغير ناجم عن إهمال أو سوء إدارة، مؤكداً أهمية شرط الإشعار والإثبات، حيث يتوجب على الدولة أو الشركة إخطار المشترين خطياً فوراً، مع تقديم أدلة مادية على تأثر الإنتاج أو النقل، وأي تأخير في إرسال هذا الإشعار قد يؤدي إلى فقدان الحماية القانونية التي يوفرها هذا المفهوم الحيوي في العقود الدولية.
وعلى صعيد الآثار المباشرة، يسمح إعلان القوة القاهرة بتعليق الإنتاج أو التسليم جزئياً أو كلياً، كما هو الحال بالنسبة لدول مثل قطر أو البحرين حالياً، ما يوقف الالتزامات التعاقدية مؤقتاً حتى زوال السبب، مع إمكانية تعويض الكميات ضمن فترة زمنية محددة تتراوح عادة بين 30 و90 يوماً قابلة للتمديد باتفاق الأطراف، بحسب ضاهر، لافتاً إلى أن هذا الإجراء يوفر حماية قانونية من الغرامات طالما استمر الحدث الخارجي، إلا أنه في المقابل يفتح الباب أمام تداعيات اقتصادية كبيرة، خاصة في العقود طويلة الأجل التي تسمح بإعادة جدولة التسليم دون غرامات، لكن انخفاض العرض الناتج عنها ينعكس فوراً على الأسواق العالمية.
وفي السياق العالمي، ينوه ضاهر بأن انخفاض الإنتاج الخليجي من شأنه أن يؤدي إلى ارتفاع حاد في الأسعار في الأسواق الفورية وطويلة الأجل، ما يؤثر بعمق على أسواق آسيا وأوروبا المعتمدة على الغاز الطبيعي المسال، ويسبب اضطراباً في سلاسل الإمداد وارتفاعاً في تكاليف التأمين على الشحن.
ويخلص ضاهر إلى أن إعلان "القوة القاهرة" يجب أن يوازن بين الحماية القانونية والتأثير الاقتصادي المباشر، فالإعفاء من الغرامات لا يعفي الدولة من العواقب المالية الجسيمة إذا ما استمر الحدث لفترة طويلة، كما أن استمرار هذه الحالة من شأنه أن يمارس ضغطاً كبيراً على ميزانية الدولة المنتجة، بسبب خسارة إيرادات الصادرات، بالإضافة إلى التداعيات غير المباشرة المتمثلة في ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، وانعكاس ذلك سلباً على التضخم والإنفاق المحلي، ما يجعل هذا القرار سلاحاً ذا حدين يتطلب إدارة دقيقة للمخاطر السياسية والاقتصادية معاً.
3 آثار مباشرة
في السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي، ربيع بدواني مخلوف، لـ"العربي الجديد"، أن تجسيد مفهوم "القوة القاهرة" يظهر جلياً في الاضطرابات الحالية للملاحة بمضيق هرمز الذي يعبره 20% من التجارة العالمية، لافتاً إلى إعلان شركات مثل "قطر للطاقة" هذه الحالة، بعد توقف عمليات التسييل نتيجة الهجمات، ما أدى فوراً إلى تعليق شحنات الغاز نحو الأسواق العالمية.
ولكي يكتسب إعلان "القوة القاهرة" شرعيته القانونية، ينوه مخلوف باشتراط توفر أربعة أركان أساسية، وهي: حدث خارجي غير خاضع للسيطرة، وعدم إمكانية التنبؤ به وقت توقيع العقد، واستحالة التنفيذ وليست مجرد صعوبة فيه، والعجز عن تجنب آثاره بوسائل معقولة، مؤكداً أن عقود الطاقة طويلة الأجل، وتحديداً عقود الغاز المسال، تحدد سلفاً قائمة بالأحداث المحفزة، مثل العمليات العسكرية أو العقوبات الدولية، ما يلزم الطرف المتضرر بإرسال إخطار رسمي يبيّن الأسباب والمدة المتوقعة للأزمة لضمان سريان مفعول هذا البند التعاقدي الحاسم.
ويترتب على تفعيل هذا البند، حسب مخلوف، ثلاثة آثار مباشرة وملموسة في قطاع الطاقة، تبدأ بتعليق الإنتاج أو خفضه احترازياً، كما حدث مع الإنتاج الكويتي الذي يقارب 2.6 مليون برميل يومياً، مروراً بإسقاط الالتزام بتسليم الشحنات خلال فترة الأزمة، ووصولاً إلى إعادة توزيع المخاطر، حيث يتحمل المشترون عبء نقص الإمدادات بدلاً من المنتجين.
ويضيف الخبير الاقتصادي أن الخطورة البالغة لهذا الإجراء تتمثل في حالة قطر بنسبة أكبر، نظراً لحصتها التي تمثل 20% من تجارة الغاز المسال عالمياً، ما يجعل أي توقف في إنتاجها صدمة عرضية ذات تداعيات فورية على التوازن العالمي.
أما فيما يتعلق بالإطار الزمني، فلا توجد مدة ثابتة في القانون الدولي لحالة القوة القاهرة، بل تخضع لشروط العقد التجاري الذي قد ينص على تعليق مؤقت حتى زوال الحدث، أو مراجعة بنود العقد بعد 30 إلى 90 يوماً، أو حتى فسخه إذا طالت المدة لدرجة استحالة التنفيذ، حسب مخلوف، الذي يلفت إلى أن التقديرات التقنية لإعادة تشغيل مصانع تسييل الغاز المتوقفة تتطلب ما بين أسبوعين وأربعة أسابيع بعد انتهاء الأزمة، ما يعني أن تأثير انقطاع الإمداد قد يمتد لفترة تتجاوز مدة الحدث العسكري الجاري، متمثلاً في حرب إيران.
ومن الناحية القانونية، يوفر الإعلان حماية واسعة تعفي الدول والشركات من غرامات عدم التسليم، وتوقف التزامات التعويض، وتسمح بتعديل جداول التوريد، إلا أن هذه الحماية ليست مطلقة، وقد يجري الطعن فيها إذا ثبت أن الحدث كان متوقعاً، أو كان بالإمكان تفادي آثاره، بحسب مخلوف.
ويخلص مخلوف إلى أن تأثير المحصلة الاقتصادية للحرب على دول الخليج يبدو مزدوجاً بين انخفاض مؤقت في حجم الصادرات، واضطراب سلاسل التوريد البتروكيميائية من جهة، وبين تعويض جزء كبير من خسائر الكميات، بفضل الارتفاع القياسي في أسعار النفط والغاز من جهة أخرى، معتبراً أن ارتفاع السعر إلى نحو 100 دولار للبرميل قد يحافظ على استقرار الإيرادات الإجمالية، رغم انخفاض الإنتاج بنسبة تصل إلى 15%، وأن استمرار هذه الحالة لفترة طويلة من شأنه أن يعيد رسم خريطة أمن الطاقة العالمية، ويحفز موجة تضخمية جديدة تمس الاقتصادات الآسيوية والأوروبية على حد سواء.
