يوميات عامل توصيل في بكين.. من المهن الصغيرة إلى الأدب
عربي
منذ ساعة
مشاركة
يُقدِّم الكاتب الصيني هُو أنيان صورة واقعية لعالم العمل المُعاصر، في مُجتمع تنافسي، يختبر بطريقته اقصاد السوق، وهو مُجتمع بلاده من خلال مذكراته الشخصية التي يسجلها في كتاب "حياتي كعامل توصيل في بكين"، الذي تُرجِم إلى أكثر من عشرين لُغة، من بينها الإنكليزية (منشورات ألين لين، 2025). أنيان الذي ينتمي إلى الطبقة العاملة، يروي تفاصيل تسع عشرة وظيفة شغلها، من بينها عامل في محطة وقود، وبائع ثياب، وموظف أمن، وموظف تخزين، وبائع في محل لبيع الدراجات، مروراً بأعوام إدارته تجارة خاصة، وانتهاءً بعمله في توصيل الطرود في بكين. نشَر أنيان بعض نصوص هذا الكتاب على وسائل التواصل الاجتماعي والمُنتديات الأدبية على شبكة الإنترنت. كان يُسجِّل أولاً بأول يومياته، مسار أيامه، خبرته مع أماكن السكن والفصول والزملاء والعملاء الطيبين منهم أو الخبيثين، حياة شاقة لم يُجملها أنيان، ولم يحاول رسم صورة لنفسه ضحية لها. بدا وكأنه مشغول، ولو بشكل لا واعٍ، بالحفاظ على شيء من إنسانيته التي يستلبها إيقاع لا يتوقف. يقول في كتابه: "نظام العمل هذا يُفسد الشخصية، بسبب الليالي بلا نوم والعمل الزائد، يصعب مع الوقت السيطرة على المشاعر". ومع أن الكاتب وكتابه لا يخرجان عن حيز الصين، إلا أن ملاحظاته تُلفت انتباهنا إلى ما يُمكن تسميته مجازاً بعالمية تجربة العمل "اتخذتُ منفرداً جميع القرارات المتعلقة ببحثي عن مكان داخل المجتمع، ولعلي لهذا السبب لم أجد أبداً هذا المكان. لم يُعطني والداي أي نصيحة مُفيدة". الوالدان المُنسحبان من حياة ابنهما المهنية كانا أبناء زمن آخر، مُجتمع مختلف قبل تحولاته الكبرى، إنهما الآن معزولان، يتخبطان في عزلتهما، ومن ثم يعجزان عن المُساعدة.  غير أن أنيان يُشير أيضاً إلى عجز نظام التربية والتعليم عن تهيئة الطلبة لسوق العمل، لا من حيث المهارات فحسب، فهذه يُمكن التمرن عليها واكتسابها مع الوقت، لكن وهذا هو الأهم، من حيث الصلابة النفسية، والمرونة، والقدرة على التعامل مع رؤساء ربما بسمات نفسية مُتباينة، غالباً ما تتسبب في كل مرة في دفع الموظف المُجتهد للاستقالة. يبقى العمل تجربة فردية، لا يُمكن اكتشافها تماماً إلا بخوضها، ربما مثل الحُب. على أن العمل في المقابل، يزخر بمشاعر الكراهية، الناجمة عن عُقد نفسية، قد لا تجد مكاناً للظهور إلا في هذه المساحة المُحددة بساعات الدوام "يقولون إن الحب أعمى، بالنسبة إليّ الحُب مُبصِر، غير مُثير للاهتمام، لأنه غير قابل للإفساد، أمّا الكراهية فهي العمياء حقاً". يُشير إلى عجز نظام التعليم عن تهيئة الطلبة لسوق العمل بالنسبة إلى أنيان، كانت الكتابة رحلة بحثه عن معنى. بفضل إحدى الوظائف التي شغلها في دار نشر لمجلات المانغا، وقع في هوى القراءة، وبدأ يحاكي الكُتاب الذين أسروه بكتابة نصوص ينشرها في المُنتديات الأدبية على الإنترنت. أما الإلهام الأساسي الذي دفعه لتنفيذ هذا الكتاب، فوجده في كتاب فيرجينيا وولف "القارئ العادي" وتحكي فيه عن أديبة غير معروفة كانت تكتب عن كل موضوع، بما في ذلك حياتها، كي تكسب المال القليل لتُنفقه على طفليها يتيمي الأب. هكذا اندفع هو أنيان في سرد "حيواته" المُتتالية على حد وصفه. خلال وباء كوفيد، حصدت نصوصه تفاعلاً جعل الناشرين الصينيين يتحمّسون لها، وهو يعمل اليوم كاتباً بدوام كامل.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية