عربي
مثّلت الحرب على إيران والأحداث الراهنة المتصاعدة في المنطقة اختبارًا بالغ الأهمية لدول الخليج العربي وخطوط إمدادات الطاقة، في ظل ارتباط صادراتها من النفط الخام والغاز الطبيعي المسال بشكل شبه كلي عبر خط نقل وحيد يتمثل في مضيق هرمز، مع إهمال تطوير خطوط نقل بديلة مناسبة.
ولفتت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران أنظار الدول المنتجة للنفط والغاز المسال إلى خيار مهم ظل مهملاً، يتمثل في الممرات المائية اليمنية في البحر الأحمر وباب المندب.
ودفع تصاعد الحرب التي اندلعت منذ نحو أسبوعين الدول المنتجة للنفط والغاز إلى إيقاف إنتاجها وإعلان حالة القوة القاهرة، وما رافق ذلك من أزمة تمثلت في توقف الإمدادات والارتفاع القياسي لأسعار النفط.
ويشرف مضيق باب المندب، الواقع غربي اليمن، على أحد أهم الطرق الدولية التي تربط شرق العالم بغربه، حيث يمر عبره نحو 6.2 ملايين برميل يومياً من النفط الخام والمشتقات النفطية، إضافة إلى أكثر من 30% من التجارة العالمية للغاز الطبيعي، فضلاً عن مرور أكثر من 10% من إجمالي التجارة العالمية عبر هذا المضيق الذي تطل عليه اليمن.
أما مضيق هرمز فيتميز بعمقه واتساعه الكافيين لاستيعاب أكبر ناقلات النفط الخام في العالم، وهو أحد أهم ممرات النفط في العالم. ووفقًا لإدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA)، بلغ متوسط تدفق النفط عبر المضيق 20 مليون برميل يوميًّا في عام 2024، أي ما يعادل حوالي 20% من استهلاك السوائل البترولية العالمي.
خطوط أنابيب نقل بديلة
يرى خبراء في الاقتصاد والنفط وسلاسل الإمداد أن البحر الأحمر يمثل خياراً استراتيجياً ممكناً لهذه الدول، رغم التحديات التي يواجهها، وأبرزها التكلفة العالية للبنية التحتية المطلوبة لإنشاء خطوط أنابيب جديدة. غير أن هذه التحديات يمكن تجاوزها عبر تنفيذ مشاريع لتطوير ممرات الطاقة في البحر الأحمر.
في هذا السياق، يتطرق الخبير اليمني المختص في التجارة الدولية وسلاسل الإمداد عبد الملك الحداد، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إلى نقطة مهمة في هذا الخصوص، موضحاً أسباب تركّز صادرات النفط والغاز الخليجية عبر مضيق هرمز. ويشير إلى أن ذلك يعود أساساً إلى عوامل جغرافية وتاريخية، إذ تقع معظم الحقول النفطية في شرق شبه الجزيرة العربية بالقرب من الخليج، ما جعل الطريق الطبيعي للتصدير يمر عبر مضيق هرمز إلى بحر العرب والمحيط الهندي.
وعلى مدى عقود، استثمرت الدول الخليجية في بنية تحتية ضخمة مرتبطة بهذا المسار، من موانئ وخطوط أنابيب ومحطات تصدير، ما جعله الممر الرئيسي لصادرات الطاقة التي تمثل نحو 20% من تجارة النفط العالمية، بحسب الحداد.
مع ذلك، أدركت السعودية أهمية تنويع مسارات التصدير لتقليل المخاطر الجيوسياسية. لذلك، وفقاً لعبد الملك الحداد، الذي يدير مكتباً للشحن التجاري في الصين، أنشأت السعودية خطاً بديلاً يتمثل في خط الأنابيب شرق–غرب إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، كما أنشأت أبوظبي خط أنابيب يصل إلى ميناء الفجيرة على بحر العرب لتجاوز مضيق هرمز جزئياً.
وأظهرت بيانات الشحن أول من أمس الثلاثاء، أن شحنات النفط التي تصدرها السعودية عبر البحر الأحمر تتجه إلى تسجيل مستويات قياسية في مارس/ آذار الجاري، لكنها لا تزال أقل بكثير من الكميات اللازمة لتعويض تراجع التدفقات عبر مضيق هرمز.
وتعتمد السعودية على ميناء ينبع على البحر الأحمر لزيادة صادراتها وتجنب خفض حاد في الإنتاج النفطي، في وقت خفّض فيه جيرانها العراق والكويت والإمارات والسعودية إنتاجهم بالفعل، في ظل الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. وأظهرت بيانات مجموعة بورصة لندن للأوراق المالية أن عمليات التحميل في ميناء ينبع بلغت في المتوسط 2.2 مليون برميل يومياً خلال الأيام التسعة الأولى من مارس، ارتفاعاً من نحو مليوني برميل يومياً الأسبوع الماضي، ومن 1.1 مليون برميل يومياً في فبراير/ شباط الماضي.
وأكد الخبير الجيولوجي اليمني المتخصص في النفط والغاز، عبد الغني جغمان، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن السعودية اتجهت في الفترة الأخيرة إلى التنسيق مع سلطنة عمان، وربما يتم تنفيذ خط نقل باتجاه ميناء الدقم العُماني.
وأوضح جغمان أن المعوقات في هذا النوع من المشاريع جيوسياسية بالدرجة الأولى، إذ ليس من السهل مد خط أنابيب من دولة إلى أخرى من دون ترتيبات سياسية وأمنية معقدة.
تكلفة عالية ومشاريع طاقة
أما بخصوص نقل الصادرات عبر البحر الأحمر بشكل أوسع، فيرى عبد الملك الحداد أنه خيار استراتيجي ممكن، لكنه يواجه تحديات عدة، أبرزها التكلفة العالية للبنية التحتية اللازمة لإنشاء خطوط أنابيب جديدة، إضافة إلى الاعتبارات الأمنية وطبيعة مواقع الحقول النفطية. ومع ذلك، يمكن أن يعزز تطوير ممرات الطاقة في البحر الأحمر أمنَ الطاقةِ العالمي ويفتح فرصاً اقتصادية مهمة لدول المنطقة، خصوصاً اليمن الذي يقع على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، وهو مضيق باب المندب الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي.
ويضيف أن تعزيز حركة الطاقة والتجارة في هذا الممر يمكن أن يخلق فرصاً اقتصادية كبيرة لليمن، سواء في مجال الخدمات اللوجستية أو الموانئ أو مشاريع الطاقة والنقل.
من جانبه، يؤكد جغمان لـ"العربي الجديد" أن دول الخليج لن تظل رهينة لمضيق هرمز.
ويشير إلى أن الإمارات أنشأت بالفعل خط أنابيب نفط يعرف باسم "حبشان–الفجيرة"، يمتد من أبوظبي إلى ساحل الفجيرة على بحر العرب، كما أن السعودية مدت خط أنابيب باتجاه الشمال الغربي من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.
لكن دولاً أخرى مثل الكويت والبحرين تواجه صعوبة كبيرة في إنشاء خطوط أنابيب مماثلة، لأن ذلك قد يتطلب المرور عبر أراضي دول مجاورة، وهو أمر قد لا توافق عليه تلك الدول.
آفاق للشراكة مع اليمن
في المقابل، برزت دعوات تحث الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً على استغلال المرحلة الراهنة عبر المبادرة إلى فتح علاقات وشراكات استراتيجية مع دول الخليج وغيرها من الدول المؤثرة في العالم، والتأسيس لمشاريع مشتركة خلال الفترة المقبلة في مجالات النقل وقطاع النفط والغاز.
كما دعت هذه الأصوات إلى دراسة إمكانية استئناف تصدير النفط اليمني المتوقف منذ أكتوبر/تشرين الأول 2022، بعد استهداف الحوثيين لموانئ التصدير الحكومية في حضرموت وشبوة، إضافة إلى البدء بإجراءات إعادة تصدير الغاز الطبيعي المسال المتوقف منذ اندلاع الحرب والصراع في اليمن عام 2015. ولا تزال موانئ تصدير الغاز ومنشآته، مثل ميناء بلحاف في محافظة شبوة جنوب شرقي اليمن، تحت سيطرة تشكيلات عسكرية محسوبة على الإمارات.
غير أن جغمان يرى صعوبة تحقيق ذلك في الوقت الراهن، موضحاً أن إعادة تصدير الغاز الطبيعي المسال تحتاج إلى فترة لا تقل عن ستة أشهر لإجراء أعمال الصيانة للمنشآت، والتي قد تصل تكلفتها إلى نحو 500 مليون دولار. كما أن الأمر يتطلب التوصل إلى اتفاق مع جماعة الحوثيين للسماح ببدء التصدير، خاصة أنهم سبق أن منعوا تصدير النفط.
