عربي
اقترح مسؤولون في البيت الأبيض، في منتصف الشهر الماضي، على معرض الصور الوطني في واشنطن العاصمة، إنشاء قسم خاص لصور ترامب، بدلاً من الصورة الرسمية الوحيدة التي جرت العادة عرضها، لافتين إلى أن ترامب يتلقى أعمالاً فنية كثيرة من مؤيديه، واقترحوا عرض مجموعة مختارة منها. خطوة جديدة تأتي بعد أن استبدل المعرض الصورة، بداية العام الحالي، بناء على طلب الإدارة الأميركية أيضاً، بأخرى جديدة التقطها مصور الرئيس، كما أُزيل نص جداري كان يشير إلى محاولة عزل الرئيس الأميركي خلال ولايته الأولى.
خطوة غير مألوفة في تقاليد المعرض التابع لمؤسسة سميثسونيان، التي تدير أحد أهم أرشيفات الذاكرة البصرية للرئاسة الأميركية. لكنه يشير إلى ما تشهده الساحة الثقافية في الولايات المتحدة حالياً من استقطاب سياسي غير مسبوق، إذ تواجه المؤسسات الفنية الوطنية ضغوطاً متزايدة لإعادة صياغة رواياتها البصرية والتاريخية بما يتماشى مع توجهات دونالد ترامب. فمنذ تسعينيات القرن الماضي، درجت القاعدة على عرض صورة فوتوغرافية واحدة لكل رئيس أميركي خلال وجوده في المنصب. أما توسيع العرض ليشمل عدة صور أو أعمال فنية أثناء وجود الرئيس في السلطة، فهو أمر لم يحدث عادة إلا بعد رحيل الرؤساء بسنوات طويلة.
غير أن الحدث الأكثر دلالة على التوتر بين البيت الأبيض والمؤسسات الفنية جرى في مركز كينيدي للفنون الأدائية في واشنطن. ففي مطلع الشهر الماضي أعلن ترامب فجأةً أنه يخطط لإغلاق المركز لمدة عامين ابتداءً من يوليو/تموز المقبل بحجة إجراء أعمال ترميم. وجاء الإعلان بعد موجة من إلغاء العروض الفنية، إذ انسحب عدد من الفنانين والفرق من مشاركاتهم المقررة في المركز احتجاجاً على التغييرات التي طرأت على إدارته. ومع إعلان الإغلاق تحدثت تقارير صحافية عن حالة من الارتباك والقلق بين الفنانين والجمهور بشأن مستقبل المركز، والذي يعد من أهم المؤسسات الثقافية في الولايات المتحدة.
وكانت الفنانة الأميركية إيمي شيرالد، المعروفة برسم بورتريه السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما، تستعد لإقامة معرض بعنوان "American Sublime" في المعرض الوطني للصور. لكن المعرض أُلغي قبل افتتاحه بعد خلاف مع إدارة المتحف حول لوحة تُظهر امرأة سوداء في هيئة تمثال الحرية. وبحسب تصريحات الفنانة، طُرحت فكرة إزالة العمل أو استبداله بسبب مخاوف من ردات فعل سياسية، وهو ما دفعها إلى سحب المعرض بالكامل، وكان من المقرر أن يقام المعرض بين 19 سبتمبر/أيلول 2025 و22 فبراير/شباط 2026. وفي سياق متصل، أبدى مسؤولون بإدارة ترامب في يناير/كانون الثاني الماضي تحفظات على نصوص معروضة في المتحف الوطني للتاريخ الأميركي تتناول سياسات الهجرة من منظور نقدي، وطُلب من القائمين على المعرض مراجعة أجزاء من السرد المعروض ليكون أقل تسييساً.
ثمة عامل آخر يثير القلق داخل الوسط الفني يتعلق بتمويل المؤسسات الثقافية. فالفنون في الولايات المتحدة تعتمد، إلى جانب التبرعات الخاصة، على شبكة من المنح الفيدرالية التي تدعم البرامج التعليمية والمجتمعية في المتاحف والمراكز الثقافية، وتم تقليص بعض البرامج أو تأجيل مشاريع المعارض.
أُلغي معرض بسبب لوحة تظهر تمثال الحرية على هيئة امرأة سوداء
في مواجهة هذه التطورات، بدأ الفنانون والعاملون في المؤسسات الثقافية يعلنون مخاوفهم بصورة أكثر وضوحاً. ففي 18 فبراير/شباط الماضي، وقع 463 فناناً وعاملاً في المجال الثقافي رسالة مفتوحة إلى الصندوق الوطني للفنون في الولايات المتحدة، احتجاجاً على شروط جديدة للمنح الفيدرالية فُرضت استجابة لأوامر تنفيذية أصدرها دونالد ترامب. وتشترط القواعد الجديدة على المتقدمين للمنح التعهد بعدم تمويل مشاريع تتضمن برامج "التنوع والإنصاف والاندماج"، أو أعمالاً تتناول قضايا الهوية الاجتماعية. ورأى الموقعون أن هذه القيود لا تمس التمويل وحده، وقد تفتح الباب أمام نوع من الرقابة غير المباشرة على مضمون الأعمال الفنية، إذ تضطر المؤسسات والمتاحف إلى تجنب موضوعات حساسة خوفاً من فقدان الدعم الفيدرالي.
هذا السلوك لا يبدو معزولاً عن السياسة الثقافية للإدارة الحالية، فمنذ بداية الولاية الثانية لترامب، تشهد العلاقة بين الإدارة الأميركية ومؤسسة سميثسونيان تحديداً توتراً ملحوظاً. وطلبت إدارة ترامب في أغسطس/آب الماضي من المؤسسة، إجراء تدقيق شامل لمحتوى متاحفها، وطُلب من المؤسسة إرسال نصوص المعارض والمواد المنشورة على مواقع المتاحف، إلى جانب بيانات عن الشراكات والمنح والبرامج الثقافية في عدد من المتاحف الرئيسية.
