هذه الحربُ المُربِكة
عربي
منذ ساعة
مشاركة
تبدو الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران مربكةً إلى درجة تجعل واحدنا يتبنى الموقف ونقيضه. فمن ناحية، الانحيازُ لإيران أمر بديهي، فهي الدولة الإسلامية الكبرى التي تتعرّض لعدوان أميركي إسرائيلي غاشم، يستهدف حقّها في السيادة والتحرّر وامتلاك مقوّمات القوة والنفوذ، ودورَها المشهود في دعم حركات المقاومة، ووقوفَها إلى جانب الشعب الفلسطيني في مواجهة المخطّطات الإسرائيلية الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية وإعادةِ رسم خرائط الشرق الأوسط، بما يُكرّس تفوق دولة الاحتلال وهيمنتها، ويمنح الولايات المتحدة ورقةً استراتيجيةً حاسمةً في مواجهة الصين وروسيا. من ناحية أخرى، لا تكتمل هذه الصورة المضيئة لحضور إيران في الإقليم، حين يُستدعى إرثها المعلوم في العبث بالأمن القومي لغير بلدٍ عربيٍّ، بتبنّيها، منذ 1979، سياسة "تصدير الثورة الإسلامية"، مستثمرةً نفوذها المذهبي والسياسي والمالي والعسكري في دعم منظّمات وجماعات موالية لها في العراق ولبنان واليمن وغيرها، من دون الأخذ في الاعتبار التوازنات الطائفية والمذهبية الهشّة التي يقوم عليها الاجتماع السياسي في بلدان الإقليم؛ فقد كان دعمُ طهران لجماعات وأحزاب شيعية، دائماً، مبعثَ قلق المكوّنات الأخرى، خاصّةً في لبنان، الذي تحوّل فيه سلاح حزب الله إلى عبء سياسي واجتماعي، ما فتئ يثقل كاهل البلد، من خلال ما يدفعه من أثمان باهظة، تُقتطع من مقدراته وسلمه الأهلي ودماء أبنائه منذ عقود. لذلك، قد تُتَفهَّمُ مواقف طيف عريض من اللبنانيين يرفضون الاستمرار في رهن لبنان ليكون ساحةً مفتوحةً للحروب بالوكالة، وتصفية الحسابات بين دول الإقليم ومحاوره، والركوب على القضية الفلسطينية لتحقيق أجندات سياسية وطائفية. الشيء نفسه يكاد ينطبق على السوريين، الذين شكّل تدخّلُ جماعات مسلّحة إيرانية، إلى جانب نظام بشّار الأسد، منعطفاً نوعياً في مسار الثورة السورية، فقد ارتكبت هذه الجماعات، بمعية حزب الله اللبناني، جرائمَ مروّعةً بحقّ السوريين في أكثر من مدينة وبلدة، وهو ما ساعد نظام الأسد في إعادة ترتيب أوراقه ورصّ صفوفه، ومواصلة سحق أحلام السوريين بالحرية والكرامة والديمقراطية. وبالطبع، لا تبخس هذه الأخطاء القاتلة من تضحيات حزب الله ووقوفه المشرِّف في أكثر من جولة خاضها في مواجهة دولة الاحتلال، قدّم فيها صفوة من كوادره وأعضائه، في مقدّمتهم أمينه العام الأسبق الشهيد حسن نصر الله. في الساحة العراقية، كانت إيران، للتاريخ، شريكاً للولايات المتحدة في تدمير العراق واستباحة سلمه الأهلي بعد 2003. كان دورها حاسماً في تطييف السياسة العراقية برهن معظم مواردها للمكوّن الشيعي، في ما بدا انتقاماً من المكوّن السنّي الذي شكّل عصب نظام صدّام حسين. واليوم، تشرب إيران من الكأس التي شرب منها العراق قبل أكثر من عقدَين، حين تعرّض للغزو والتدمير بذريعة امتلاكه أسلحة الدمار الشامل. ويكاد لا يختلف هدف إسقاط النظام الإيراني في الحرب الحالية عن هدف إسقاط نظام البعث في العراق في غضون الحرب التي شنّها جورج بوش الابن في 2003. ويبقى الخطأ الأكبر في حسابات إيران هجومها المتهوّر على جيرانها في الخليج العربي، في خلطِ للأوراقٍ غير محسوب، سيعمّق عزلتها أكثر، لا سيّما بعد قرارها إغلاق مضيق هرمز. وإذا كانت تتذرّع في ذلك بوجود قواعد عسكرية أميركية في بلدان الخليج، فهناك بلدان ترتبط بشراكات دفاعية واستراتيجية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كما هو الشأن بالنسبة إلى تركيا، أو بالنسبة إلى الهند التي باتت شريكاً سياسياً واستراتيجياً لدولة الاحتلال، فلماذا لا تهاجم إيران الهندَ، الحليفَ الاستراتيجي الجديد لإسرائيل؟ إنّ استئسادَها على بلدان الخليج جرّدها من أوراق استراتيجية كان بالوسع أن تمنحها هامشاً للمناورة الدبلوماسية في معركة كسر العظم بينها وبين الولايات المتحدة وإسرائيل. قد نتفق مع ما تضجّ به السوشيال ميديا العربية من مواقف ترى أن النظام الإيراني يدفع، اليوم، ثمن سياساته الطائفية التوسّعية، أو حتى جرائمه في لبنان وسورية والعراق واليمن. لكن ذلك، في المقابل، لا يُسقط عن هذه الحرب طابعها الاستعماري والتوسّعي، باعتبارها، في المحصّلة، صراعاً جيوسياسياً مركّباً على الهيمنة والقوة والنفوذ في الشرق الأوسط.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية