عربي
المؤمنون بالتقمص سيفهمون هذا أكثر: الذي مات هنا وُلِد هناك. وكلّ ما علينا أن نجلب دليلاً على أنها الروح ذاتها، وأنها انتقلت من مكان إلى مكان. ومَن مات عاد، وعلى أهله السابقين إذا ما أرادوا التأكّد من صحّة هذا الانتقال، أن يشدّوا الرحال إلى المكان الجديد الذي وُلِد فيه، واستنطاقه، لمعرفة ما حمل في ذاكرته من جيله السابق.
في الأرياف البسيطة، كان المتقمّص (الناطق، المتجسّد، التولكو، المستنير...) يعدّد أسماء إخوته، وأبناءه، وموجودات البيت، وحكاية معيّنة عن يوم سقطت الجرّة في البئر، أو يوم شردت نعجة فأكلها الذئب. وحين ينطق بشيء أو شيئين من هذا النوع، ينهار الحاضرون خشوعاً، ويختلط صوت البكاء بالزغاريد، ويرتفع التكبير إذا ما كانوا من الطوائف الإسلامية المؤمنة بالتقمّص، كالعلويين أو الدروز، ويرتفع الصراخ البدائي إذا ما كانوا من السيخ أو الهندوس أو الإيزيديين، ويرتفع الصمت إذا ما كانوا بوذيين.
في حالة التقمّص التي ضبطتها قبل أيام، جلبتُ الدليل الدامغ، وحصلتُ على كلّ عناصر الإثبات، وربما لن يحتاج أهل الميّت لأن يذهبوا إلى المكان الجديد الذي انتقلت إليه روح ابنهم الراحل. فكلّ شيء واضح ومثبت، والمولود الجديد نقل معه كلّ كلمات وذكريات الحياة السابقة، وكرّرها بطريقة تثبت أنّه هو عينه، من دون لبس.
في بيان تهنئة أصدرته قيادة قُطر السودان لحزب البعث العربي الاشتراكي، بمناسبة انتخاب الرفيق علي الريح الشيخ السنهوري أميناً عاماً للقيادة القومية للحزب، ومقرّها الخرطوم، وهو أمين القيادة القُطرية هناك، عثرتُ على روح انتقلت كاملة من دون نقصان من المشرق إلى الجنوب الغربي، مؤكّدة أن مَن مات في العراق وسورية وُلِد من جديد في أرض بعيدة، وانتقلت روحه بكامل نضالها ومناقبها ومفصلية المراحل التي تعيشها. أخذت معها "الرسالة الخالدة"، وذهبت إلى أرض السواد، لتناضل من أجل "الوحدة والحرية والاشتراكية".
قادني البيان إلى رحلة فيها تلال من "في مرحلة نضالية مفصلية في تاريخ البعث وأمة الرسالة الخالدة، على طريق المبادئ لتقرير مستقبلها النهضوي التحرّري والمستقبل الإنسان". تجوّلت في موقع صحيفة الهدف الناطقة باسم حزب البعث العربي الاشتراكي - الأصل. وكلمة الأصل أُضيفت لتمييزه عن حزب بعث آخر يعلن نفسه في السودان بوصفه قيادة قُطرية أخرى لحزب كان قد مات في سورية قبل وقت قصير رسمياً، بعد أن مات سريرياً قبل وقت أطول. ومنها عرفت أن الرفيق السنهوري انتُخب أميناً عاماً بعد وفاة الأمين العام السابق "الرفيق" عزّت إبراهيم الدوري الذي أشاد مرّات كثيرة قبل وفاته بنضال الرفيق الريح في معارك الأمّة، حين كان عضواً في القيادة القومية في بغداد.
لا أعرف عدد أعضاء الحزب في السودان، وترجّح المصادر أنهم بضع عشرات، ولكن متى كان العدد مهمّاً حين نتحدث عن فكرة تأبى أن تموت؟ التقارير الطبّية كلّها تقول إن نبضها توقّف منذ زمن طويل، ولكنها، طالما تستطيع روحها أن تنتقل إلى مكان آخر، وتولد من جديد، فلها ذلك، ولها أن تحاول مرّات لا تحصى، في أجساد بشرية لا تحصى، حسب المعتقد الدرزي، أو أجساد حيّة، حسب المعتقد العلوي، أو أجساد حيّة وجمادات، حسب المعتقد البوذي.
ولست متأكّداً وفقاً لأيّ معتقد حدث الانتقال هذه المرّة، فمن حيث أقرأ الخبر من سورية، يبدو أن روح الريح قد حلّت في جمادٍ ليس فيه حياة، وربما مَن يقرأه من العراق قد يرى مخلوقاً ما، ليس بشرياً بالضرورة. لا سيّما أن أعضاء قيادة قُطر السودان، "إذ يهنئون قائدهم أمين سرّ القطر بانتخابه أميناً عاماً للحزب"، يهنئون شعبهم وأمّتهم و"رفاق وجماهير البعث العظيم من المحيط إلى الخليج، وأينما كانوا في أركان المعمورة الأربعة، بالموقع الذي صادف أهله". وبالتعبير الأخير يقصدون: "أُعطيت القوس باريها".
في كلّ الأحوال، يبدو أن الحزب كان يخطّط لهذه النقلة باكراً، لذلك اختار لنفسه منذ البداية اسمَ "البعث".
