ما كل هذا الفرح بالطائرات والموت؟
عربي
منذ ساعة
مشاركة
وكأنهم في معرضٍ فاتنٍ للأزياء أو العطور أو الورد، أو كأنهم في أوبرا طال انتظارها منذ قرون، وأعدّوا لها بفرح الكاميرات والمكياج وبلغاء المترجمين والمعلّقين والوزراء والمحلّلين والمحاربين السابقين، وحتى لاعبي كرة القدم وحرّاس المرمى والمصوّرين؛ استعراض يليق بعريس جديد سوف يحوز الكوكب في ليلة عرسه في غرفته، بعدما طال شوقه لغزو هذا الكوكب الذي بات بلا صاحب. حتى البلدان أصبحت بلا صاحب، حتى الحكومات أصبحت تحت سيطرة ذلك العريس وحده من دون حتى مشورة أصحاب البلاد؛ وكأن البلاد قد صارت، وكأنها كانت، خياماً، وأُحرقت الخيام لبناء ذلك المكان الجديد الذي يليق بذلك العريس ويرضى عنه وحده دون أصحاب البلاد أنفسهم. قمّة الغباء والاستعراض والاستعلاء على الآخر، وقمّة الغباء في الأرض؛ وكأننا نحن في بداية خلق جديد: صاحب الدعوة لها شخص واحد فقط، والمُنظّر لها واحد فقط، والرائع الوحيد شخص واحد، والعبقري الوحيد شخص واحد، وبقية العالم ما هم سوى مليارات من المتفرجين فقط. آلة حرب مكتملة ومتباهية بالصور التي يراعي صاحبها أن تكون جميلة؛ صورٌ منتجةٌ بدهاء وحرفية كأفلام عالية التكلفة، صور تخطف الأبصار للمنتصر وتشهد له بالروعة والعبقرية والتكنولوجيا، وكأنها كرنفالات خاصّة بالحرب، كرنفالات خاصّة بالقتل والتدمير، كرنفالات تنتقل من القواعد العديدة إلى المنتجعات. كرنفالات متوحّشة الصنع، كرنفالات تصوّر للعالم أن العدو الآخر ليس أكثر من حشرة أمام عدل المنتصر وروعته. تلك الألفاظ التي تخرج كسلسلة من الألماس والعظمة التي تصف الأشخاص الرائعين والموهوبين والمنتبهين جيّداً لجمال الكوكب وروعته ضدّ المخربين التعساء؛ حتى شركات الأسلحة تضاعف بالأمر من إنتاجها أربعة أضعاف، وكأنه قطع شيكولاتة أو حلوى، والمكاسب بالطبع محفوظة لجهود تلك الشركات فور تصنيع المنتَج، والبراميل من النفط بالطبع ستعود بالخير على صاحب الأرض وعلى الغازي بالطبع، فالمكاسب مشتركة دائماً، وكوبا بالطبع سيأتي دورها. آلة حرب طمّاعة يقودها كرنفال غامض، كرنفال حرب لاستهلاك صور القتل بكامل جمالها وخفتها وفتنتها وموتها؛ موت جميل لا ترى فيه الجثث ولا الدماء ولا الأطبّاء ولا غرف العمليات، لأن صور الهلاك فيها مطلية بالألوان الجميلة، والمقتول هناك شرير ومتوحّش وبالطبع "إرهابي"، لأنه بالطبع دفع القاتل دفعاً لصناعة ذلك الكرنفال من دون أن يريد ذلك أو حتى يميل إليه ولا فكّر فيه. آلة حرب طمّاعة بلا خجل، حيث الخطة تمشي على قدمٍ وساق مع شركات إنتاج الأسلحة، مع ملابس القادة وفتنة أقوالهم المتلفزة، مع كامل هندامهم وحدّتهم بالطبع، مع دموع أسرهم في الوداع. آلة حرب لا تفكّر في الأرامل أو الجثث أو عدّ الجرحى أو الحرائق في خزانات الوقود أو سقوط الأبراج السكنية، فالحرب عندهم في منتهى البهاء والعدل أيضاً. والأبراج سوف تعيدها الشركات بمساعدة رجال أعمال في منتهى الذكاء والموهبة والجمال؛ حتى أسنانهم هي الأخرى جميلة وباهرة وعظيمة، وأسعار البراميل ستعود إلى الانخفاض في ما بعد، والأرض لهم، والأسواق لهم، والبورصات لهم، والجو سيكون جميلاً بالطبع ورائعاً في حساب المكاسب. واللاعب الموهوب ميسي سيكون معنا أيضاً كما هو الآن، وكرة القدم ستكون جميلةً في الملاعب فوق النجيل الرائع الخضرة كما نخطّط تماماً، والنجيل أيضاً سيكون أكثر جمالاً تحت أقدام المهاجمين أثناء إحراز الأهداف الرائعة في مرمى الخصوم. وسيرقص العالم كلّه مع الأهداف الجميلة وغمزات الفتيات الرائعات. وساعتها سننسى آلة الحرب، ونوزّع النياشين والجوائز المبهرة والأعلام بين الشباب الرائع الذي وُلد فقط أثناء فترة ولايته، ولا نعرف: هل وُلد هؤلاء ثانية في أيام بقية الزعماء البلداء الذين جاءوا وراحوا، أو حتى من سيأتي منهم في ما بعد؟ "ولم يحدث أن ضلّل شيءٌ أذكى العقول، ولا سفّه شيءٌ أسمى ما عرفه الإنسان بقدر ما تفعل الحرب. وحتى العلم يفقد حياده، ويتوسّل به علماؤه لاختراع أسلحة تُلحق الهزيمة بالأعداء، واندفع علماء الأنثروبولوجيا إلى إعلان انحطاط أصول الخصوم، وادّعى علماء النفس أن العدو مصاب في عقله". هذا المقطع المنصَّص ورد في كتاب سيغموند فرويد (1856 – 1939) بعنوان "الحبّ والحرب والحضارة والموت". أشك بالطبع أن السيّد ترامب قد قرأ ذلك الكتاب الذي كشف أجندته بحذافيرها منذ مائة سنة أو أكثر؛ فماذا لو كان سيغموند فرويد يتأمّل مثلاً في عبارات السيّد ترامب وخطبه الكثيرة؟ أعتقد أنه كان سيؤلّف كتاباً عن الحرب أكثر خفّةً وبهاءً وجمالاً وضحكاً على غير ما عهدنا في كتابات سيغموند فرويد.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية